لولوة المنصوري تكتب: لنا المدى.. والظلال!
#مقالات رأي
لولوة المنصوري
اليوم
جذرنا البحر، وحبرنا الشمس.. ولنا في الشعر حواسُّ أخرى، ومحار مفتوح على اكتمال الجهات.. ولنا زخات من الضوء، وأشرعة المدى، وأبجديتنا الظلال، والنخيل.
كانت قصيدتنا الإماراتية الأولى جدارية كهفية، ونقشاً على جسد صخرة في أعالي الجبال، تُعانق الغيم منذ آلاف السنين، أو في تجويف جداريّ لكهف بعيد بقيَ في ظلمة النسيان.. كانت مزاميرَ فينيقية لشعراء «أم النار»، وأناشيدَ وفيوضات شكلت «أبجديتنا الأولى» على الألواح الفخارية.. كانت موالاً شجياً مؤنساً، يتردد من صوت نهام، وبحارة، في اليمّ العظيم الموحِش!
كانت قصيدتنا ملاحية، استكشافية، رَحَليّة، من الماء حتى الماء.. ينابيعها الخرائط، والكشف، والجغرافيا، والوجد البحريّ، في قلب شاعرٍ ملاحيّ جلفاريّ (أحمد بن ماجد).. كانت سفراً روحيّاً تأمليّاً، فائضاً بالمخيال، والاستبصار، والحكمة في شعر الماجدي بن ظاهر.. كانت صحراوية مائية شجرية خلودية خيميائية ماورائية.
إن الشعر نبض أزليّ لا يتوقف، والشعراء يتدفقون مع اتساع الأرض؛ فلا زمن للشعر.. يكتب الشعراء القصيدة؛ ليوقفوا نزف الكهف البعيد الوحيد المترع بالوحشة، ويُحْيُوا مزاميرنا الأولى في «أم النار»، ويحملوا الشعلة إلى الأصقاع البعيدة المظلمة.. يكتب الشعراء قصيدتنا شوقاً إلى اليمّ، والملاحة، والخرائط، والضياع المائيّ.. يكتبون قصيدتنا؛ لمحاولة العيش في الآن، في عُمق اللحظة، والبحث الخيميائيّ عن سرّ الخلود.
حين خُلِقنا من الطين، تجلت أعظم الحالات الشعرية الكبرى في الوجود، وقد سبق ذلك بأزمنة خَلْق أُمّنا الشعرية (الأرض)؛ فأسفر عنه احتفال شعري في الأزل.. إن الشعر أحد خطوط كفّ الأرض، الخطُّ المائل تحديداً، خطُّ الحياة، وليدُ التجارب، والأمواج، والملح، وحَظُّ الخلق، والإبداع.
الشعرُ جذر طاقة مُطلقة في الوجود، جذرٌ عميق في الإنبات، والتكوين، والتجسّد، والتجليات، والولادات، والفناء.. الشعر قَدَرُ المحارة، وفلقة المحار في يد الغواص، وكوكب داخل لؤلؤة، ومسكون في أكبر الأحداث الكونية.. في أصل انفجار الأشياء، وانكماشها، وأقدارها، في انهمار السيول، وانجراف القارات، وعودة اتحادها، ومسكون في آخر الزمان، وأوله.
وفي المقابل، الشعر بديهي كالتَّنفس، والتحول، والرحيل، والإياب، والدمعة، والندم، والطَّلل.. وأن يؤوب الإنسان إلى روحه؛ فهو عَوْدٌ فطريّ إلى بذرته الشعرية، فالإنسان شاعرٌ بالفطرة؛ متى ما اختار العودة إلى بيت الروح!
الشعرُ نبعٌّ.. مَدٌّ.. نَفَس…
إن الشعر من نبع الأزل، وفكرة الأزل فطرية في الضمير البشري، والشعر دائم لا بدء له.. فمن يمكنه أن يؤرخ بداية الأشعار؟!.. وبداية الزمن؟!.. الشعر هو الزمان، وخيط السديم الذي يصل بين الأفلاك، وهذا الوصال الخيطي الدخاني القزحيّ، المُضبب، السحريّ، المُحيِّر للعلماء.. هو في حد ذاته شعر!
Source link














Add comment