لولوة المنصوري تكتب: المسودة القلمية الأولى
#مقالات رأي
لولوة المنصوري
اليوم
أجد الفكرة الأولى دائمًا رحبةً، وخصبةً، ومشتعلةً بحماسة، ومرتبكةً في آنٍ معًا.. تخشى الزوال والفناء، والتلاشي بعيدًا في أفقٍ سحيق، حيث يقيم العدم، وحيث كانت – قبل انتفاضتها العلنية – معلنة رفضها البقاء في أضيق حيّز من الوجود: (حيّز العدم).
لكنَّ الأجمل من وجود الفكرة، هو ما يليها: (وجود المسودة).. ذلك المخطوط الأول، الذي يبدأ فيه «اللامرئي» بالتجسد، ويغادر الاحتمال إلى الأثر.. فهناك في تلك الصفحات الأولى، يتسع مدى الذاكرة، ويتهيأ النص لرحلته نحو الخلود.
أنا أكتب، هنا، عن المسودة المكتوبة بالقلم؛ تلك التي تحمل – في انحناءات حروفها – نبض اليد، وترددات التردد، وآثار المحو والإضافة، وخفقة الاكتشاف الأولى.. إنها الكتابة في أكثر صورها صدقًا وعفوية، حيث يكون الكاتب وحيدًا مع فكرته، قبل أن تتدخل أناقة الصياغة، أو صرامة المراجعة.
المسودة القلمية الأولى هي الصورة الأولى للكاتب، قبل أن يبدأ في تهذيب نفسه.. إنها لحظة التدفق الأولى، حين تخرج الفكرة من عتمة الروح إلى بياض الورقة، من دون رقابة صارمة، أو حسابات لغوية، أو رغبة في إرضاء القارئ. لذلك؛ تحمل هذه المسودة ملامح صاحبها، كما يحمل الوجه تعابيره.. ففي انحناءة الحَرْف، وضغط القلم، وسرعة السطر، والتوقفات المفاجئة، والشطب، والإضافة، والهوامش، تتجلى شخصية الكاتب، وتقلباته، ومزاجه، وإيقاع تفكيره، وحتى لحظات تردده، ويقينه!
الكتابة بالقلم فعلُ تحررٍ قبل أن تكون فعلَ تدوينٍ؛ فهي أقرب إلى «التشافي»؛ لأنها تمنح الروح فرصة؛ لتُفْرِغَ ما يثقلها، وتسمح للعاطفة بأن تسبق الصياغة، وللحدس بأن يسبق المنطق. ولعل هذا ما يجعلها أكثر التصاقًا بالطاقة الإبداعية؛ فالعلاقة بين الذهن واليد رشيقة ومباشرة؛ يتباطأ فيها الإيقاع بما يكفي؛ لكي تلحق الفكرة بنفسها، وتنضج وهي في طريقها إلى الورقة. وبين كل كلمة وأخرى، يمنح القلم العقل فرصة للتأمل، ويمنح الخيال مساحة للتوسع؛ لهذا تبدو المسودة القلمية الأولى – في نظري – أول قراءة حقيقية لشخصية الكاتب، بل وربما كانت الكاتب نفسه – في أكثر حالاته صدقًا، وعفوية – قبل أن تُعيد المراجعات تشكيل النص، وقبل أن تتدخل البلاغة في تهذيب اندفاعه الأول.
ولهذا ترتبط الكتابة بالقلم بقدر أكبر من الاستيعاب والتذكر؛ فيشارك الدماغُ القلمَ في اختيار الكلمة، ورسم الحرف، وتتبع السطر؛ فينشأ تفاعل حسي ذهني يجعل الفكرة أكثر رسوخًا. وكأن الكاتب، وهو يخط عباراته، يكتشف ما كان يجهله في نفسه.. وكثيرًا ما تصبح المسودة الأولى مساحةً لإعادة ترتيب الأفكار، فأثناء الكتابة تتضح العلاقات بين المعاني، وتتولد أفكار جديدة لم تكن حاضرة قبل ملامسة القلم للورقة.
خلاصة الكلام.. تبدو المسودة المكتوبة بالقلم أكثر من مجرد بداية للنص، إنها بداية لتكوين الفكرة نفسها، وإعادة بنائها، حتى يغدو النص، في نهايته، ثمرةَ تفكيرٍ متأنٍّ، آيلٍ للنموّ.. حرفًا بعد حرفٍ!
Source link














Add comment