121NEWS

د. نرمين نحمدالله تكتب: بائع «الخردة»!


د. نرمين نحمدالله تكتب: بائع «الخردة»!

#مقالات رأي

اشتقت إليك يا عمّ!.. فكم من الأحاديث ادخرتها لك!.. وكم من الأشياء، التي ظننتها يوماً فخمة، الآن تنتظرك؛ كي أتخلص منها!.. وكم من الأحلام صارت قديمة، وأريد بيعها لك؛ لعل غيري بها يستفيد..!

«أغيب.. أغيب.. وأرجع أجمع الكراكيب!».. صوتك المُنَغَّم يُدوّي، دوماً، في أذنيَّ، وأنا أقف في شرفتي أبحث عن عربتك الخشبية، ذات الأربع عجلات.. التي تبدو لي، دوماً، كأنها تَسَعُ ما يفوق العالم!.. يبزغ لي طيفك من الماضي؛ عندما كنت تزور الحيَّ؛ كأنك مسافرٌ من دنيا إلى دنيا.. أسأل الناس: ماذا يبيع؟!.. فيقولون: «خردة!».. وماذا يشتري؟!.. فيقولون أيضاً: «خردة!».. وما «الخردة»؟!.. فيقولون: كل ما صار عندك بلا قيمة، ينتظر غيرك؛ كي يعطيه قيمته!

أين أنت يا عمّ؟!.. عندي لأجلك ساعة قديمة، توقفت عقاربها عند لحظة بعينها، وَقَفْتُ حينها أعد خطوات مَنْ رحل؛ حتى فَقَدْتُ قدرتي على العدِّ، ونسيت كيف يحسبون الزمن!.. «تقزمت» الساعات فصارت ثواني، وتضخمت الأيام فصارت قروناً، وبينها بقيت كطفلة تائهة، تمسك ساعتها دون جدوى.. خذها يا عمّ!.. خذها؛ لعل غيري يجيد بها حساب الزمن، ويعود إليه مَنْ رحل..!

عندي لأجلك مرآة مغلقة ذات وجهَيْن، فتحتها، يوماً؛ فرأيت فيها صورتي مع مَنْ ظننته «توأم روحي»، أغلقتها بعدها، وسَوَّلت لي «سذاجتي» أنني ادخرت فيها صورتنا إلى الأبد. سرقتني مرآتي!.. تصور!.. سلبت مني صورته، وكلما فتحتها تُظهر لي صورتي وحدي!.. خذها يا عمّ!.. لعل غيري يكون أذكى مني؛ فلا تسرق صورة حبيبه، وتتركه وحده يبحث عنها! 

عندي لأجلك كتبٌ!.. الكثير من الكتب، التي تحكي قصص حبٍّ، وشوقٍ، ووفاءٍ!.. كتبت بعضها، وكتبني بعضها الآخر، فظننت أنني خبأت بين سطورها عمري، وصحوت، يوماً، لأجدها خالية.. ذابت كلماتها وسطورها، وفرّ خلفها العمر!.. خذها يا عمّ!.. لعل غيري يُجيد كتابة حكاية خالدة، تبقى ولا تخون!

عندي لأجلك وشاحٌ حريري أحمر!.. أعطوه لي يوماً، وقالوا: «إن الأحمر لون الحب، ولون الدفء!».. ظلموا «الأحمر»، وظلموا الحب، وظلموا الدفء!.. هزمني البرد في معركة الحب، وما زادني وشاحي إلا اختناقاً، خذه يا عمّ!.. لعلّ غيري يجيد ارتداءه، وينصر به الدفء، والحب!

عندي لأجلك أشياء كثيرة: خواتم، وأساور، وعقود زينة، ومساحيق تجميل، زعموا أنها كلها تزيد جمالي، لكنني ما وجدت الجمال إلا في قلوب رأتني قبل العيون؛ فما عدت أحتاج معها إلى كل هذا!.. خذها يا عمّ!.. وأعطني بدلاً منها صورة قديمة، تحمل ضحكة صاحبها، وقد زهد فيها، فتركها لك!.. يقولون: «إن الضحكات لا تبلى، فتنتقل كالعدوى من شفاه إلى شفاه».. هاتها يا عمّ!.. لعلي أقلدها، أستنسخها ألف نسخة، وعلى المارة أوزعها، وأبيعها دون ثمن لوجوه نسيت كيف كان مذاق الضحك!

«أغيب.. أغيب.. وأرجع أجمع الكراكيب!».. ارجع يا عمّ!.. ازدحمت رفوف القلب بـ«الخردة»، وأثقلته حمولٌ ما عاد يحتاج إليها، وتهدلت الكتف، وشابت الروح، وهي تحفظ ما ظنته كنوز العمر!.. فلم يعد بعد كل هذه الأيام.. سوى «خردة»!


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

تطبيقنا

العربية بث مباشر

إعلان