الكابتن هدى المسلمي: طموحنا تجاوز الوصول وصنع الأثر
#ملهمون
لاما عزت
اليوم
في عالمٍ تُقاس فيه القرارات بالثواني، وتصبح المسؤولية جزءاً من كل رحلة.. صنعت الكابتن هدى المسلمي مسيرة إماراتية مميزة في قطاع الطيران؛ فبدأت رحلتها كطيارٍ، قبل أن تنتقل إلى مرحلة جديدة من مسيرتها المهنية؛ لتصبح أول مدربة طيران إماراتية، وتتولى تدريب وتأهيل جيل جديد من الطيارين. إنها تجربة لم تغيّر موقعها المهني فحسب، بل أعادت صياغة مفهومها للقيادة، والنجاح؛ فالقائد، بحسب رؤيتها، ليس بالضرورة من يقف، دائماً، في المقدمة، فقد يقف خلف الآخرين؛ ليمنحهم الأدوات والفرص، التي تساعدهم على النجاح، وصناعة مساراتهم الخاصة.. وبمناسبة يوم المرأة الإماراتية، التقت «زهرة الخليج» الكابتن هدى المسلمي، كابتن طيار ومدربة طيران في «الاتحاد للطيران»؛ للحديث عن رحلاتها في السماء، وانتقالها من القيادة إلى تدريب الطيارين، وعن الثقة، واتخاذ القرار تحت الضغط، وموقع المرأة الإماراتية اليوم في قطاع الطيران، والرسالة التي تحملها إلى كل فتاة تنظر إلى السماء، وترى فيها بدايةً لحلمها.
-

الكابتن هدى المسلمي: طموحنا تجاوز الوصول وصنع الأثر
القيادة أن تصنع قادة آخرين:
وعن انتقالها من قمرة القيادة إلى تدريب الطيارين.. كشفت الكابتن هدى أن هذه الخطوة وسّعت مفهوم المسؤولية لديها، قائلةً: «في البداية، كانت مسؤوليتي الأساسية أن أتمكن من قيادة الطائرة، وأتخذ القرار الصحيح، وأحافظ على أعلى معايير السلامة. لكن عندما انتقلت إلى التدريب، أصبحت المسؤولية أكبر؛ لأنني لم أعد مسؤولة فقط عن أدائي الشخصي، بل عن إعداد طيارين سيحملون هذه المسؤولية مستقبلاً». وأضافت أن هذه التجربة منحتها رؤية مختلفة للقيادة، موضحة أن القائد لا يحتاج، دائماً، إلى الوقوف في الصف الأول، بل يمكنه أن يقف في الخلف؛ ليساعد الآخرين على التطور، ويمنحهم الفرص، ومفاتيح القيادة، التي تمكنهم من النجاح.
الثقة لا تعني أنك تعرف كل شيء:
وفي مهنة لا تحتمل التردد، أو القرارات غير المدروسة.. ترى الكابتن هدى أن الثقة الحقيقية لا تأتي من اعتقاد أن الطيار يعرف كل شيء، موضحةً: «الثقة في الطيران تأتي من الإعداد الجيد، والتدريب المستمر، واختبار قدراتك، ومعرفة حدودك». وأكدت أن تراكم الخبرة يجعل الإنسان أكثر وعياً بأن الثقة ترتبط بالهدوء، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح تحت الضغط، ولا ترتبط بالاندفاع. أما المراحل الصعبة، فتنظر إليها بوصفها فرصاً لاكتساب مزيد من الخبرة، وضبط النفس، والقدرة على تحمل مسؤوليات أكبر.
المسؤولية قبل المهارة
وعندما يتعلق الأمر بتدريب الطيارين، لا تضع الكابتن هدى المهارات التقنية في المقدمة، بل تبدأ بقيمة أساسية (المسؤولية).. تقول: «الطيران مهنة لا تحتمل التهاون أبداً»، مشيرة إلى أنها تحرص، كذلك، على غرس الانضباط، والتواضع، والعمل الجماعي، والاستعداد الدائم للتعلم، في نفوس المتدربين. وأضافت أن التميز التقني وحده لا يصنع طياراً ناجحاً؛ إذ يحتاج الطيار، أيضاً، إلى التواصل، والاستماع، وتقبّل الملاحظات، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وبالنسبة إليها، يبقى احترام المهنة، وفريق العمل، من أهم السمات، التي يجب أن يتحلى بها الطيار.
-

الكابتن هدى المسلمي: طموحنا تجاوز الوصول وصنع الأثر
«هل أستطيع؟».. «كيف أتميز؟»
وشهدت الكابتن هدى، بنفسها، التحول الكبير في حضور الإماراتية بقطاع الطيران؛ فتبين: «عندما بدأت مسيرتي في الطيران، كان وجود المرأة في قمرة القيادة أمراً غير مألوف للكثيرين. أما اليوم، فنرى الإماراتية موجودة في مجالات الطيران كافة، وفي مواقع قيادية، وتخصصية عدة». وتؤكد أن هذا التحول لم يأتِ مصادفة، وإنما كان نتيجة رؤية آمنت بقدرات المرأة، ووفرت لها التعليم، والفرص، والدعم. وتختصر المسلمي حجم هذا التغير بعبارة لافتة: «ابنة الإمارات لم تعد تسأل: هل المجال متاح لي؟.. بل: كيف أتميز فيه؟».
تحت الضغط.. يظهر الطيار الحقيقي
وعن أصعب ما يمكن تدريب الطيارين عليه، كشفت المسلمي أن المهارات التقنية يمكن تطويرها بالممارسة والتكرار، بينما يبقى اتخاذ القرار تحت الضغط أكثر تعقيداً؛ لأنه يرتبط بالخبرة، والوعي، وترتيب الأولويات، والقدرة على توظيف المهارات التقنية، وغير التقنية، بما يضمن الأمن، والسلامة. وأضافت: «قد يملك الطيار معرفة تقنية ممتازة، لكن التحدي الحقيقي يظهر عندما تتغير الظروف بسرعة، ويصبح عليه أن يجمع المعلومات، ويتخذ قراراً آمناً في وقت قصير». لهذا، يركز التدريب، بحسب الكابتن هدى، على طريقة التفكير، بقدر التركيز على طريقة تشغيل الطائرة.
متى يصبح الطيار جاهزاً؟
لا تقيس الكابتن هدى جاهزية المتدرب بقدرته على التحكم في الطائرة فقط، وإنما بالطريقة التي يتصرف بها؛ عندما لا تسير الأمور كما كان مخططاً لها. وأوضحت أنها تعرف أن المتدرب أصبح جاهزاً؛ عندما تراه قادراً على فهم ما يدور حوله، ويتصرف بهدوء في الظروف غير المتوقعة. وأضافت أن الطيار الناجح يعرف متى يتحدث، ومتى يستمع، وكيف يتعاون مع زملائه، ويتقبل الملاحظات، ويعترف بالخطأ، ويتعلم منه، مؤكدة أن الهدوء، والانضباط، والحكم الجيد على الأمور، من أهم الصفات، التي تجعل الطيار شخصاً يمكن الاعتماد عليه.
-

الكابتن هدى المسلمي: طموحنا تجاوز الوصول وصنع الأثر
نجاحهم جزء من نجاحي:
الانتقال إلى التدريب غيّر، أيضاً، مفهوم النجاح لدى الكابتن هدى.. توضح: «في بداية المسيرة، ينشغل الإنسان بتطوير نفسه، وتحقيق أهدافه المهنية، لكنَّ تدريب الآخرين أضاف بُعداً جديداً إلى تجربتي». وقالت: «أشعر، اليوم، بقدر كبير من الرضا؛ عندما أرى متدرباً أصبح طياراً واثقاً، وقادراً على تحمل المسؤولية». وأضافت أن نجاح الطيارين، الذين ساهمت في تدريبهم، جزء من نجاحها الشخصي، واصفة هذه المرحلة بأنها من أجمل مراحل مسيرتها المهنية.
حلم تحقق:
لطالما ارتبطت السماء بالحرية والأحلام، لكنها اكتسبت لدى الكابتن هدى معنى أكثر عمقاً بمرور السنوات.. تقول: «في البداية، كانت السماء تمثل لي حلماً، ومغامرة، وطموحاً. وبعد سنوات طويلة أصبحت تعني لي أكثر من ذلك؛ فقد أصبحت ترتبط بالمسؤولية، والخبرة، والذكريات». ورغم السنوات، التي قضتها في هذا المجال، إلا أن للطيران سحره الخاص لديها؛ فتؤكد أنها مازالت تشعر بجماله مع كل إقلاع، إلا أنها باتت ترى السماء، أيضاً، مساحة تعلمت فيها الكثير عن نفسها، والانضباط، واتخاذ القرارات.
إلى كل إماراتية تحلم بالتحليق:
وللفتاة الإماراتية، التي تحلم بأن تصبح كابتن طيار، لكنها تخشى صعوبة الطريق.. تحمل الكابتن هدى رسالة واضحة: «لا تنتظري أن يصبح الطريق سهلاً؛ لتبدئي». وأضافت أن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى الصبر، والعمل الطويل، وأن الشعور بصعوبة الوصول، في بعض الأيام، جزء طبيعي من الرحلة. ودعت الفتاة الإماراتية إلى تطوير نفسها، والتعلم من كل تجربة، والإيمان بقدرتها على صناعة مكانها بجهدها، وكفاءتها، مؤكدة أن الفرص المتاحة أمام ابنة الإمارات اليوم كبيرة، وأن مسؤوليتها تكمن في الاستفادة منها، وإثبات نفسها.
«لا نريد الحضور فقط.. بل التأثير»:
وفي يوم المرأة الإماراتية، يختلط شعور الفخر لدى الكابتن هدى بإحساس أكبر بالمسؤولية.. توضح: «عندما تكون المرأة الإماراتية موجودة في مجال يتطلب قدراً عالياً من الكفاءة، والانضباط والمسؤولية، فهي لا تمثل نفسها فقط، بل تقدم صورة عن إمكانات ابنة الإمارات، وما تستطيع الوصول إليه؛ عندما تحصل على الفرصة، وتعمل من أجلها».
وتعتبر تجربتها واحدة من قصص كثيرة لنساء إماراتيات، دخلن مجالات كانت في السابق غير تقليدية للمرأة، ثم أثبتنَ حضورهنَّ، وكفاءتهنَّ فيها. وأضافت: «اليوم، أصبح طموح الإماراتية أكبر؛ فهي لا تسعى فقط إلى أن تكون موجودة، وإنما إلى أن تكون مؤثرة، وأن تفتح الطريق لمن سيأتي بعدها». وبالنسبة إلى الكابتن هدى المسلمي، ربما تختصر هذه الفكرة المعنى الأجمل ليوم المرأة الإماراتية: أن يتحول الإنجاز الفردي إلى طريق أوسع، تمضي فيه أخريات نحو أحلام أكبر.
Source link







Add comment