تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت تسعى فيه القاهرة إلى تحويل علاقاتها الاقتصادية مع بكين من مجرد شراكة تجارية واستثمارية إلى تعاون أعمق في الإنتاج والطاقة والنقل والتكنولوجيا، خصوصًا مع اتساع حضور الشركات الصينية في المشروعات الكبرى داخل مصر.
فالزيارة المرتقبة، وهي الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ نحو 10 سنوات، تأتي بعد سبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية، وخلالها انتقلت الشراكة بين البلدين من التعاون السياسي إلى مشروعات تمتد من منطقة قناة السويس والعاصمة الإدارية إلى الطاقة المتجددة والسكك الحديدية وتصنيع السيارات.
لكن السؤال الأهم اقتصاديًا: ماذا تحقق بالفعل؟ وما المشروعات التي لا تزال قيد التنفيذ؟ وما الذي يمكن أن تضيفه زيارة الرئيس الصيني إلى هذه الشراكة؟
الطاقة.. من إنتاج الكهرباء إلى تصنيع أنظمة التخزين
يعد قطاع الطاقة المتجددة أحد أبرز مجالات التعاون المصري الصيني، مع انتقال الشراكة من تنفيذ مشروعات لتوليد الكهرباء إلى توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة الجديدة وتخزينها.

ومن المشروعات التي دخلت بالفعل مرحلة التشغيل محطة «أبيدوس 1» للطاقة الشمسية في كوم أمبو بمحافظة أسوان، والتي افتتحها رئيس مجلس الوزراء في ديسمبر 2024 بقدرة 500 ميجاوات، بينما نفذت شركة «باور تشاينا» الصينية أعمال المقاول العام للمشروع.
وفي طاقة الرياح، دخلت مشروعات بقدرات كبيرة في منطقة رأس غارب ضمن خطة التوسع في الطاقة المتجددة، من بينها مشروع بقدرة 650 ميجاوات، وهو ما يعكس اتساع نطاق التعاون والاستثمارات المرتبطة بمصادر الطاقة النظيفة.
لكن التطور الأبرز في التعاون المصري الصيني خلال 2026 يتمثل في الانتقال إلى تصنيع مكونات الطاقة داخل مصر، ففي يناير 2026 شهد رئيس مجلس الوزراء توقيع عقود إنشاء مصنع شركة «صنجرو» الصينية لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في نطاق المطور الصناعي «تيدا مصر» بالسخنة، ضمن حزمة مشروعات متكاملة في الطاقة المتجددة وتصنيع مكوناتها محليًا.

ويقام المصنع على مساحة 50 ألف متر مربع، ويعد، وفق البيانات الحكومية، أول مصنع في الشرق الأوسط وأفريقيا لإنتاج أنظمة بطاريات تخزين الطاقة، بطاقة إنتاجية تصل إلى 10 جيجاوات/ساعة سنويًا عند التشغيل الكامل، مع بدء الإنتاج المقرر في أبريل 2027، ويوفر نحو 150 فرصة عمل مباشرة.
وفي أغسطس 2026، شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وضع حجر الأساس للمشروع، باستثمارات إجمالية تبلغ 50 مليون دولار، ليصبح بذلك من المشروعات الصينية التي انتقلت من مرحلة التعاقد إلى التنفيذ الفعلي على الأرض.
كما تبحث مصر مع شركات صينية أخرى فرص توطين صناعات الطاقة المتجددة؛ إذ ناقشت الرئاسة في فبراير 2026 مع شركة GCL الصينية التعاون في الطاقة المتجددة وإمكانية توطين صناعة الطاقة المتجددة في مصر.
النقل.. القطار الكهربائي والموانئ
يمثل النقل أحد الملفات الرئيسية التي تحولت فيها الشراكة المصرية الصينية إلى مشروعات بنية أساسية ملموسة.
ويأتي مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان المكهرب، ضمن منظومة القطار الكهربائي الخفيف، في مقدمة هذه المشروعات، حيث دخلت المراحل الأولى من المشروع الخدمة وربطت القاهرة بالمدن الجديدة شرق العاصمة.

أما المرحلة الثالثة من المشروع، فما تزال في إطار الاستكمال، وحصلت مصر على قرض حكومي ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويلها.
ووفق القرار الجمهوري المنشور رسميًا، تبلغ قيمة القرض 200 مليون دولار، على أن يتم السداد باليوان الصيني، وخصص لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان. كما حصل الاتفاق على موافقة مجلس النواب في مارس 2026، ثم صدرت إجراءات التصديق والنشر الرسمية.
الموانئ
ويمتد التعاون إلى الموانئ والخدمات اللوجستية، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل نقطة التقاء بين الاستثمارات الصناعية والبنية التحتية للنقل.
وتكتسب الموانئ أهمية خاصة في هذا النموذج، لأنها تربط المناطق الصناعية بممرات التجارة البحرية، وتدعم حركة المواد الخام والمنتجات من وإلى المصانع المقامة داخل المنطقة الاقتصادية.
وبالتالي، فإن ملف النقل خلال المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط باستكمال المرحلة الثالثة من القطار الكهربائي، وإنما يمكن أن يمتد إلى تعميق التعاون الصيني في الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بالمناطق الصناعية.
الصناعة.. «تيدا السويس» وقاعدة التصنيع الصينية
تعد منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» من أبرز نماذج التعاون الصناعي المصري الصيني، باعتبارها منصة جمعت استثمارات صينية في قطاعات إنتاجية وخدمية ولوجستية متعددة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وبحسب أحدث البيانات الرسمية المنشورة عن المنطقة، جذبت «تيدا» أكثر من 200 شركة، بينما تجاوزت الاستثمارات الصينية فيها 4 مليارات دولار، وفق تصريحات السفير الصيني لدى القاهرة في أغسطس 2026.
وتضم المنطقة مصانع وشركات في مجالات الطاقة ومواد البناء والأجهزة المنزلية والمنسوجات، إلى جانب الخدمات اللوجستية والتخزين والتوزيع، بما يجعلها واحدة من أهم القواعد الصناعية الصينية في مصر.
ولا تقتصر الاستثمارات الصناعية الصينية على المشروعات القائمة، وإنما تتواصل التوسعات والمشروعات الجديدة.
ففي يونيو 2026، وضعت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس حجر الأساس لمصنع شركة «لونج مارش» الصينية للإطارات داخل نطاق المطور الصناعي «تيدا – مصر» بالسخنة، باستثمارات تقدر بنحو 190 مليون دولار، وعلى مساحة تقارب 200 ألف متر مربع.
ويستهدف المشروع تنفيذ مرحلتين، تبدأ الأولى بإنتاج 600 ألف إطار سنويًا للشاحنات والحافلات، بينما ترتفع الطاقة الإنتاجية بعد اكتمال المرحلة الثانية إلى مليون إطار سنويًا للشاحنات والحافلات، إلى جانب 4.5 مليون إطار سنويًا لسيارات الركوب، مع توفير نحو 1500 فرصة عمل.
التعاون في قطاع السيارات
وفي قطاع السيارات، دخل التعاون المصري الصيني مرحلة جديدة في يونيو 2026، مع توقيع شركة «النصر لصناعة السيارات» ومجموعة «فاو كار» الصينية وثيقة شراكة استراتيجية بهدف تصنيع مجموعة من السيارات تحت العلامة التجارية «نصر».

وتستهدف الشراكة نقل التكنولوجيا الحديثة وزيادة نسب المكون المحلي ودعم إعادة إحياء صناعة السيارات الوطنية، مع التطلع إلى تلبية احتياجات السوق المصرية وفتح المجال أمام التوسع والتصدير إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
كما تتضمن خطط تطوير «النصر للسيارات» التوسع في إنتاج المركبات الحديثة، ومنها الأتوبيسات الكهربائية، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو النقل المستدام والتحول الأخضر.
ماذا يمكن أن تفعّل زيارة الرئيس الصيني؟
في ظل وجود مشروعات دخلت بالفعل مرحلة التشغيل، وأخرى انتقلت إلى التنفيذ، تبدو الزيارة المرتقبة فرصة لدفع التعاون المصري الصيني إلى مرحلة جديدة، خصوصًا في الملفات التي شهدت تحركات فعلية خلال 2026.
وفي الطاقة، يأتي استكمال مشروعات الطاقة المتجددة وتوسيع تصنيع مكونات الطاقة وتخزين الكهرباء في مقدمة الملفات، خاصة مع بدء تنفيذ مصنع «صنجرو» في السخنة، ووجود اهتمام رسمي بتوطين صناعة الطاقة المتجددة.
وفي النقل، يمكن أن يمثل استكمال مشروعات السكك الحديدية والنقل الكهربائي، إلى جانب تطوير التعاون في الموانئ، مسارًا طبيعيًا للبناء على المشروعات القائمة.
أما الصناعة، فتظل «تيدا – مصر» إحدى أهم المنصات القابلة لاستقبال استثمارات صينية جديدة، بالتوازي مع المشروعات الصناعية الجاري تنفيذها، ومنها مصنع الإطارات، ومشروعات الطاقة ومكوناتها، والتعاون الجديد في صناعة السيارات.
والأهم أن ما يمكن أن تضيفه الزيارة اقتصاديًا ليس فقط توقيع اتفاقيات جديدة، وإنما دفع المشروعات التي انتقلت بالفعل إلى التنفيذ نحو التشغيل، وتسريع المشروعات القائمة، وتحويل الاستثمارات الصينية في مصر إلى قاعدة إنتاجية أكثر تكاملًا.





Add comment