صدر الصورة، NurPhoto via Getty Images
Published
مدة القراءة: 6 دقائق
لقد منعونا من كل شيء، حتى من العودة إلى بيوتنا. وعندما أخبروني أن إطلاق الطائرات الورقية ممنوع، خفت وكسرت طائرتي. لقد منعونا حتى من اللعب، فماذا نفعل؟
هكذا يصف الطفل شريف سائد، النازح من حي الشجاعية إلى غربي مدينة غزة، شعوره بعد التحذيرات المتعلقة بإطلاق الطائرات الورقية.
وقال شريف لبي بي سي نيوز عربي، إن الطائرات الورقية كانت لعبته المفضلة، وكان يطلقها كل يوم في ساعات العصر، مضيفاً أنها، بحسب قوله، مصنوعة من الخشب والبلاستيك ولا تحتوي على مواد حارقة.
تحذيرات إسرائيلية وتصعيد جديد
وجاء المنع بعد أن هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس باتخاذ إجراءات ضد ما وصفاه بإطلاق طائرات ورقية وبالونات من قطاع غزة باتجاه مناطق إسرائيلية محاذية للقطاع.
وخلال الشهر الماضي، شوهدت عدة طائرات ورقية تعبر من غزة، وفق تقارير إعلامية، دون أن ترد معلومات عن احتوائها على مواد حارقة.
حماس تنفي مسؤوليتها
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية “كان” عن الجيش الإسرائيلي قوله إن الطائرات الورقية التي عُثر عليها لم تكن تحمل مواد متفجرة أو أجساماً مشبوهة.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، إن استمرار إطلاق الطائرات الورقية والمسيّرات والبالونات من غزة سيُقابَل بتكثيف العمليات ضد من تقول إسرائيل إنهم مسؤولون عنها.
وأضاف البيان أن إسرائيل قد تُجلي السكان من تلك المناطق في قطاع غزة التي تقول إن الطائرات الورقية والمسيّرات والبالونات تُطلَق منها.
وفي المقابل حذّر “مجلس السلام” بقيادة الولايات المتحدة والذي يشرف على تنفيذ خطة السلام في قطاع غزة الثلاثاء، حركة حماس من إطلاق الطائرات الورقية، بعدما هددت إسرائيل بشن ضربات انتقامية.
وقال مسؤول في “مجلس السلام” طالباً عدم كشف هويته “يجب أن تتوقف كل النشاطات المسلحة في غزة، بما في ذلك إطلاق الطائرات الورقية. لقد نقلنا هذه الرسالة مباشرة عبر الآلية القائمة”.
وأضاف “يجب على إسرائيل أيضاً التزام وقف إطلاق النار. لا يمكن للعمليات العسكرية أن تتجاوز نطاق الرد على تهديدات حقيقية ووشيكة”.
صدر الصورة، AFP via Getty Images
في المقابل، نفى عضو المكتب السياسي لحماس باسم نعيم مسؤولية الحركة عن إطلاق الطائرات الورقية، وقال إنها “أُطلقت من غزة على أيدي أطفال يبحثون عن طفولتهم البريئة بين الركام”.
وقال نعيم، بحسب مراسل بي بي سي لشؤون غزة عدنان البرش، إن إسرائيل أمهلت حماس ثلاثة أيام لوقف إطلاق الطائرات الورقية، ملوّحة بشنّ هجوم جوي واسع، وهو ما وصفه بـ”المفارقة السريالية”.
وانتقد ما قال إنه استنفار دولة تمتلك قدرات عسكرية كبيرة للتعامل أمنياً وعسكرياً مع طائرات ورقية يطلقها أطفال وسط الدمار والركام.
كما قال المتحدث باسم حماس حازم قاسم إن الطائرات الورقية التي تتحدث عنها إسرائيل “هي بالأساس ألعاب أطفال في مخيمات النزوح”، محذراً مما وصفه بـ”المزاعم والتهديدات” الإسرائيلية بشأنها.
وأضاف قاسم أن “هذه التهديدات القائمة على اختلاق الذرائع، هي محاولة لتبرير استمرار العدوان والانتهاكات ضد شعبنا، وصولاً إلى تهديد الأطفال في قطاع غزة”.
وقال إن هذه الطائرات تُطلَق من مخيمات النزوح وفي ما تبقى من مناطق القطاع، مضيفاً أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 70 في المئة من مساحته، بحسب قوله.
ودعا قاسم الإدارة الأمريكية والدول الوسيطة والضامنة ومجلس السلام إلى الضغط على إسرائيل، متهماً إياها بالعمل على تقويض مسار وقف إطلاق النار، وقال إن الجانب الفلسطيني ملتزم بالاتفاق بشكل كامل.
وفي بيان منفصل، اتهمت حماس إسرائيل باستخدام قضية الطائرات الورقية “ذريعة” لشن غارات على وسط قطاع غزة يوم الأحد.
مخاوف في البلدات الإسرائيلية
وفي إسرائيل، أثارت الطائرات الورقية مخاوف لدى بعض سكان البلدات القريبة من قطاع غزة، التي تعرّض عدد منها لهجمات في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ إن على إسرائيل “ألّا تتجاهل أي مؤشر أو مخاوف” يثيرها سكان البلدات المحاذية للقطاع بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وأضاف أن أمن سكان المنطقة يجب أن يكون “في صلب أي ترتيبات أو خطط مستقبلية بشأن غزة”، معتبراً أن مسؤولية الدولة تتمثل في رصد المخاطر ومنعها وحماية السكان، وأن على المجتمع الدولي أيضاً استيعاب هذا المبدأ.
وقال أوري إبستين، رئيس مجلس “شعار هنيغف” الإقليمي، إن على الجيش التعامل مع كل طائرة ورقية تعبر من غزة في الوقت المناسب.
وأضاف: “بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لن نقبل مجدداً عبارة: سيكون الأمر على ما يرام”، وقال إن على الجيش “مسؤولية التحرك في الوقت المناسب”.
وانتقد حاييم يالين، أحد سكان كيبوتس بئيري، والرئيس السابق لمجلس إشكول الإقليمي، الحكومة والجيش الإسرائيليين، معتبراً أنهما لا يتخذان إجراءات كافية لمواجهة ما وصفه بتهديد الطائرات الورقية القادمة من غزة.
وقال يالين لمكتب بي بي سي في القدس: “في أعوام 2018 و2019 و2020، احترق 40 ألف دونم من أراضينا. بدأ الأمر بالطائرات الورقية، ثم البالونات، ثم البالونات المتفجرة، وانتهى في نهاية المطاف بالسابع من أكتوبر. كانت الطائرات الورقية مؤشراً على ما سيأتي. وحتى إذا كانت حماس قد أُضعفت بشدة، فستبدأ من الصفر وتعيد بناء نفسها تدريجياً، كما فعلت في الماضي. لقد دفعنا الثمن بالفعل في السابع من أكتوبر”.
وأضاف: “لقد قتلوا أطفالاً ورضّعاً، وقتلوا نشطاء سلام إسرائيليين كانوا يساعدونهم في تلقي العلاج في المستشفيات. لا يمكن عقد اتفاقات مع قتلة”.
وبرز استخدام الطائرات الورقية والبالونات على حدود غزة بصورة واسعة خلال احتجاجات “مسيرات العودة”، التي بدأت في 30 مارس/آذار 2018، عندما تجمّع آلاف الفلسطينيين قرب السياج الفاصل للمطالبة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، إلى جانب مطالب أخرى، وإنهاء الحصار الإسرائيلي على القطاع.
وخلال تلك الاحتجاجات، أطلق فلسطينيون طائرات ورقية وبالونات، حمل بعضها مواد حارقة، باتجاه مناطق إسرائيلية محاذية لقطاع غزة.
وتسببت بعض تلك الطائرات والبالونات في اندلاع حرائق في أراضٍ زراعية ومناطق حرجية في جنوب إسرائيل، وألحقت أضراراً بالممتلكات.
وتجدد استخدام البالونات الحارقة في جولات لاحقة، من بينها عام 2021، حين قالت السلطات الإسرائيلية إن بالونات أُطلقت من غزة تسببت في حرائق في جنوب إسرائيل، قبل أن يشن الجيش الإسرائيلي غارات على مواقع في القطاع قال إنها تابعة لحماس.
أما في الحوادث الأخيرة، فقال الجيش الإسرائيلي إن الطائرات الورقية التي عُثر عليها لم تكن محملة بمواد حارقة أو متفجرة.
حتى اللعب أصبح مصدراً للقلق
وفي أعقاب التحذيرات، دعت لجان شعبية في غزة أولياء الأمور إلى منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية، خوفاً من تعرضهم للخطر.
ومع انتشار التحذيرات، بدأ كثير من الأهالي بمنع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية، رغم أنها أصبحت واحدة من وسائل الترفيه القليلة المتاحة للأطفال في مخيمات النزوح.
أبو أنس مسعود، وهو نازح من شمالي قطاع غزة، قرر كسر طائرة ورقية كان أحد أطفاله يلعب بها.
ويقول: “إذا كانت هذه اللعبة قد تشكل خطراً على أطفالنا، فلن نسمح لهم باستخدامها. نحن نتمسك بالحياة ونريد أن نعيش بأمان، حتى لو اضطررنا إلى حرمان أطفالنا من وسائل الترفيه القليلة المتاحة لهم”.
الطائرات الورقية مصدر رزق أيضاً
ولم يكن الأطفال وحدهم المتأثرين بالتحذيرات فصناعة الطائرات الورقية كانت أيضًا مصدر دخل لبعض النازحين.
عرفات حمد، النازح من بيت حانون إلى غربي مدينة غزة، كان يصنع الطائرات من أعواد الخشب وأكياس البلاستيك ويبيعها خلال فصل الصيف. لكنه يقول إنه أوقف عمله بعد التحذيرات.
فقد اعتاد عرفات حمد، النازح من بيت حانون إلى غربي مدينة غزة، على صناعة الطائرات الورقية من أعواد الخشب وأكياس البلاستيك وبيعها خلال فصل الصيف، لتوفير مصدر دخل لعائلته.
ولكن بعد صدور التحذيرات، يقول إنه أوقف البيع وقرر إتلاف ما لديه من طائرات.
“لا أريد أن يتعرض أي طفل للخطر بسبب هذه الطائرات، لذلك توقفت عن بيعها وسأبحث عن مصدر رزق آخر”، يقول حمد.
من “مسيرات العودة” إلى ألعاب الأطفال
صدر الصورة، Getty Images
وتعيد قضية الطائرات الورقية إلى الأذهان عام 2018، عندما أُطلقت من قطاع غزة طائرات ورقية وبالونات حارقة عبر الحدود، ما تسبب في اندلاع حرائق وأضرار في مناطق مفتوحة وأراضٍ زراعية جنوبي إسرائيل.
بيد أن محللين وسكاناً في غزة يقولون إن الطائرات التي يستخدمها الأطفال حاليًا ليست جزءًا من نشاط تنظمه الفصائل، وإنما هي مجرد ألعاب بسيطة يستخدمها الأطفال للترفيه.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي عاهد فروانة، في حديثه مع بي بي سي نيوز عربي، إن استخدام الطائرات الورقية اليوم يختلف عما حدث خلال “مسيرات العودة” عام 2018، عندما استخدمت الفصائل الفلسطينية الطائرات الورقية والبالونات الحارقة كأداة للضغط على إسرائيل. ويضيف أن الفصائل لا تستخدم هذه الوسائل حاليًا، وأن ما يجري هو لعب أطفال، معتبرًا أن إسرائيل تبحث عن أي ذريعة لتصعيد الوضع في القطاع.
ويضيف فروانة أن الأهالي اختاروا منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية، خوفًا من أن تتحول إلى ذريعة لمزيد من التصعيد أو تعرّضهم للخطر.
ويربط فروانة التصعيد الإسرائيلي، بحسب تقديره، بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، قائلًا إن اقتراب موعدها قد يدفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تبني مواقف أكثر تصعيدًا تجاه قطاع غزة لتعزيز حظوظه السياسية، في ظل استطلاعات رأي لا تمنحه الأفضلية، مضيفًا أن إسرائيل تترقب أي ذريعة من القطاع لمواصلة التصعيد.
ومنذ صدور التحذيرات، اختفت إلى حد كبير الطائرات الورقية من سماء مناطق عدة في قطاع غزة. وبينما يعاني الأطفال من النزوح والدمار ونقص أماكن اللعب، فقدوا وسيلة أخرى من وسائل اللهو البريء والترفيه، بعدما أصبحت مجرد طائرة ورقية… مصدرا للخوف.
Source link





Add comment