121NEWS

د. شما محمد خالد آل نهيان تكتب: البِرُّ اللوجستي!


د. شما محمد خالد آل نهيان تكتب: البِرُّ اللوجستي!

#مقالات رأي

هناك بيوتٌ يعيش فيها الآباء (كبار السن)، تبدو من الخارج مكتملة تماماً.. دواء في موعده، وطبيب لا يتأخر، وسائق عند الباب، وممرضة تعرف تفاصيل «الضغط»، و«السكر»، وطعام يُعَدُّ طازجاً، وهاتف ذكي يضيء كل قليل.. برسالة عابرة:

– «كيف حالك يا أمي؟!». 

– «هل تحتاج شيئاً يا أبي؟!».

كل شيء حاضر تقريباً، إلا ذلك الشيء الوحيد، الذي لا تستطيع التطبيقات إيصاله، ولا يمكن للبطاقات البنكية أن تدفع ثمنه.. إنه «الوَنَسُ»!

لم يعد بعض الأبناء مقصرين في حق الآباء.. فهم لا يهملون احتياجات آبائهم، ولا يتركونهم بلا علاج، ولا يقصرون في الإنفاق، بل على العكس من ذلك؛ فقد يمنحونهم أفضل ما يمكن شراؤه.. لكن تبقى تساؤلات، تطرق الباب بهدوء (موجع)، مثل: هل صار البِرُّ مجرد إدارة للاحتياجات؟!.. وهل تحول الوالدان «في شيخوختهما» إلى «ملف عائلي» منظم، له مواعيد، ومتابعات، وتحويلات شهرية، لكنه يفتقد الجلوس الطويل، والنظرة الصافية، واليد التي تبقى قليلاً!.. فوق اليد؟!

في زمن السرعة، لا يأتي الغياب، دائماً، في صورة قسوة.. فأحياناً يأتي في صورة انشغال، وسفر ضروري، واجتماعات متراكمة، وطموح لا يهدأ.. يكبر الأبناء وهم يطاردون النجاح، ثم يكتشفون أنهم يستطيعون شراء كل شيء تقريباً للوالدين، إلا الوقت.. وحين يثقلهم الشعور بالتقصير، يعوضونه بمزيد من الخدمات: طبيب آخر، أو جهاز أحدث، أو ممرضة أكثر خبرة، أو اشتراك في تطبيق، أو رحلة علاج، أو هدية باهظة.. كأن المال يحاول أن يعتذر نيابة عن الحضور.. وهنا، يولد ما يمكن أن نسميه «البِرُّ اللوجستي»!

إنه بِرٌّ مُرتب، ودقيق، ومكلف، لكنه بارد أحياناً.. بِرٌّ يعرف كيف يحجز الموعد، لكنه لا يعرف كيف يجلس بلا استعجال.. يعرف كيف يطلب الدواء، لكنه ينسى أن «الشيخوخة» لا تحتاج إلى دواء، بل إلى مَنْ يسمع الحكاية، نفسها، للمرة العاشرة دون ضجر.. يعرف كيف يُؤمّن الراحة، لكنه ينسى أن الراحة ليست بديلاً عن «الوَنَس»!

لكنَّ الأشد قسوةً من ذلك أن زيارات بعض الأبناء تشبه «زيارة المتحف»، فصارت موعداً قصيراً مع ابتسامة مهذبة، وصورة عائلية، وسؤال سريع عن الصحة، ثم عودة إلى الحياة.. يجلس الأب، أو الأم، في المكان ذاته، كأنهما أثر عزيز من زمن قديم، نزوره احتراماً لا مُعَايشة، ونطمئن عليه كما نطمئن على شيء ثمين محفوظ في صندوق زجاجي.

ليست المشكلة في الرعاية المادية؛ فهي واجبة ونبيلة، ومن الظلم أن نقلل من قيمتها؛ فالمرض يحتاج إلى طبيب، والشيخوخة تحتاج إلى تنظيم، والحياة الحديثة صارت أكثر تعقيداً، فلا يمكن أن تدار بالعاطفة وحدها.. لكن الخطأ يبدأ حين نخلط بين تأمين الحياة، ومشاركة الحياة؛ فأن نوفر للوالدَيْن ما يحتاجان إليه شيء، وأن نكون جزءاً من أيامهما شيء آخر!

الوالدان لا ينتظران، دائماً، حلولاً كبرى؛ فأحياناً ينتظران جلسة شاي، أو سؤالاً لا يقال على عَجَل، أو صمتاً مشتركاً، أو ضحكةً قديمةً، أو ابناً يترك هاتفه قليلاً، ويجلس كما كان يجلس صغيراً، لا يحمل معه إنجازاته، وأعذاره، بل يحمل نفسه فقط!

ليست القسوة أن نعجز عن تلبية كل احتياجات آبائنا، بل أن ننجح في تلبية كل شيء، ونفشل في أن نكون معهم.. فالمال قد يشتري الدواء، ويوفر السائق، ويمنح البيت المريح، لكنه لا يُعَوّضُ الحضور الإنساني العميق، والتواصل العاطفي في ساعة يجلس فيها ابن إلى جوار أبيه، بلا استعجال، ولا ابنة تمسك يد أمها، كأنها تعتذر عن طول الغياب!


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

تطبيقنا

العربية بث مباشر

إعلان