121NEWS

الإنسان والمعنى – كويت نيوز

حنين العصيمي

يعيش الإنسان باحثًا عن المعنى، فيسعى إليه باستمرار ويحاول إيجاده بأي طريقة كانت، وبسعي حثيث ، لكن اختلاف الإنسان لا يكمن في حاجته إلى المعنى، وإنما في الكيفية التي يحاول بها ملء هذا الفراغ. ومن هنا ينقسم الناس إلى أكثر من فريق.

فالفريق الأول: يبحث عن أي مسكن لذلك الفراغ الي يخلفه غياب المعنى حتى وإن كان بمعانٍ أقل إشباعًا لروحه وعقله، ولعل الفيلسوف نيتشه أصاب كبد الحقيقة حين قال: “يعيش الإنسان بمعانٍ فارغة في حياته خوفًا من أن يعيش بلا معنى”، فبالنسبه لهذا الفريق تبقى تلك المعاني الهشة خيرًا من أن يظل أسيرًا للفراغ لذلك نرى البعض يملؤونه بعلاقات عابرة، أو المخدرات، أو السهر، أو الجنس، أو النهم في الطعام، أو الإفراط في العمل، كل ذلك حتى لايصطدم بالفراغ الموجود في روحه ولعل هذا أحد أبرز مسببات الإدمان، إذ يدمن الإنسان على المسكن الوجودي الوحيد الذي يعرفه، ليتلافى غياب المعنى أي شيء حتى لا يشعر بالألم وأي شيء يربّت على جراحه الخفية أو الاكثر إحراجاً.

أما الفريق الثاني فيسير خلف أهداف متتابعة بحجة حب مُفرط للانجاز، لكن ما إن ينتهي من هدف حتى يعود ذلك الشعور لمهاجمته، فيهرع إلى احتضان الهدف الذي يليه وهكذا يظل ساعيًا للهروب من الفراغ لا لمواجهته أو كبح جماحه ، متذرعاً بحبه المُفرط للانجاز، وقد يأتي فريق آخر يحاول ملء ذلك الفراغ بالعائلة والأطفال والبيت، فيُسخّر حياته لتحقيق ما عجز عن تحقيقه لنفسه، ويُضفي معنى على وجوده من خلال حياة أحبائه فهو بذلك يرسم صورته الوجودية الخاصة، ويجعل مشروعه الأكبر ذلك الأثر الذي يعتقد أنه سيبقى خالدًا في نفوسهم وينتقل جيلًا بعد جيل ، لكن ما إن تتزعزع تلك القيم أو يختار الأبناء طريقًا مغايرًا لما رسمه لهم هو من معناتي ، تقع الصدمة الكبرى ويأتي معها انهياره المدوي لأنه لم يكن يدافع عن مجرد أفكار، بل عن المعنى الذي بنى عليه وجوده بأكمله.

كل ما أحاول فعله هنا هو تفكيك نفسي، أو تفكيك ما تراه عيناي في قصص الآخرين، ونقل هذا السؤال مباشرةً إلى ذهن القارئ، وسمّيت هذا المقال الإنسان والمعنى تيمنًا بكتاب “الإنسان والبحث عن المعنى” للدكتور فرانكل، ففي هذا الكتاب وجدت بعض الإجابات التي رأيتها جديرة بالتأمل من هُنا وهناك.

ولعل الإنسان مفطور على البحث عن المعنى حتى في أحلك الظروف او اشدها، يحكي فرانكل عن تجربته في المعتقلات النازية، وكيف أن السجناء الذين استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم معنى، ولو بالصبر أو التجلّد، أو التمسك بحلم ينتظرهم خارج الأسوار كانوا أكثر قدرة على المقاومة والنجاة من براثن السجون أولاً، ومن براثن الحياة ثانياً.

أما هو شخصيًا فقد وجد معناه في حلم العوده إلى أهله، وفي علاج المرضى، والكتابة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه داخل مكان جحيمي المعاني بامتياز لذلك رأى أن امتلاك الإنسان لمعنى يتمسك به، مهما بدا بسيطًا كان أحد أكثر العوامل فاعلية في الصمود ومقاومة قسوة الحياة، ولعل هذه الفكرة لا تقتصر على المعتقلات أو الظروف الاستثنائية بل تمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية فالمعنى ليس صورة واحدة، وإنما تتجلى بأشكال لاحصر لها.

وندرك بذلك أن المعنى هو أحد أهم ما يساهم في تماسك الإنسان سواء أكان قد وجد معناه الخالص أم لا يزال يحاول صناعته فقد نرى شخصًا تجسّد معناه في إدمان أو سلوك ضار، فنراه شرًا محضًا، بينما يراه هو أخف الضررين، والشيء الوحيد الذي يبقيه واقفًا في مواجهة فراغه وقد نجده في هوس الإنجاز أو في أب وأم رحّلا أحلامهما إلى أحلام أبنائهما، وجعلا من تحقيقها المعنى الذي يبرر وجودهما.

بل ربما يتجلّى معنى الإنسان الحديث اليوم في عدد الإعجابات وإعادات النشر على منصاته الاجتماعية إذ تمنحه لحظة الاهتمام والاحتفاء شعورًا خفيًا بالقيمة والانتماء، كل هؤلاء على اختلاف صورهم، وذلك على سبيل الحصر لا الاستثناء بالطبع، يجمعهم خيط واحد البحث عن المعنى والخوف من فقدانه ولعل ذلك هو ما يبقيهم ويبقينا أحياء كلٌ بطريقته الخاصة.

“فمن أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟” كما يقول محمود درويش، ومن نحن لنحاكم الناس على المعاني التي يتشبثون بها، ونحن لا نعرف حجم الفراغ الذي يقاومونه؟ فلعل لكل إنسان معناه الخاص، ومعركته الخاصة أيضًا في غمار المعنى ورحلتها.


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

تطبيقنا

العربية بث مباشر

إعلان