الأب.. «ذاكرة نفسية» ترافق الطفل طوال حياته
#تنمية ذاتية
لاما عزت
اليوم
في زمنٍ تتسارع به التكنولوجيا، وتتبدّل أنماط الحياة والعلاقات، لم يعد دور الأب يقتصر على تأمين الاحتياجات المادية للأسرة، كما كان يُنظر إليه لعقود طويلة. فـ«الأبوة الحديثة» لا تُقاس فقط بقدرة الأب على «الإعالة»، بل بقدرته على الحضور النفسي، والعاطفي، داخل حياة أطفاله. وبين جيل نشأ على فكرة «الأب الصارم»، وجيل جديد يحاول فهم أطفاله، والاقتراب منهم.. يبرز سؤال نفسي عميق: كيف تغيّر أثر الأب في التكوين النفسي للطفل؟.. اليوم، لا يتحدث المختصون عن الأب؛ بوصفه سلطة داخل المنزل فقط، بل كعنصر أساسي في بناء «الأمان النفسي»، وتشكيل صورة الذات، وحتى طريقة الطفل في فهم الحب، والعلاقات، والثقة بالنفس، لاحقاً.. فالكلمات التي يسمعها الطفل من والده، وطريقة احتوائه أو تجاهله، لا تمرّ مروراً عابراً، بل تتحول – مع الوقت – إلى جزء من صوته الداخلي، ومن نظرته إلى نفسه، والعالم!
في هذا الملف.. التقينا الدكتور آرام حسن، استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي، بروفيسور مساعد غير متفرغ في جامعة الإمارات؛ لنقترب أكثر من مفهوم «الأبوة الحديثة»، من زاوية نفسية، ولنعرف كيف يساهم حضور الأب «العاطفي» في تشكيل شخصية متوازنة، ولماذا قد يترك «الغياب العاطفي» آثاراً لا تقل قسوة عن «الغياب الجسدي». كما نتوقف عند أثر القسوة، والنقد، والمقارنات، والخوف من الفشل، والعلاقة المعقدة بين التربية التقليدية، والصحة النفسية للأبناء.
«الأمان النفسي» يبدأ من البيت
يوضح الدكتور آرام حسن أن «النمط الآمن» في التربية لم يعد مفهوماً ثابتاً، كما كان في الماضي، بل تطور مع تغير الزمن، والسياقات الاجتماعية، والثقافية.. يقول: «مع التطور التكنولوجي السريع، والانفتاح العالمي، أصبحت استجابة الأهل لأسئلة الطفل، واحتياجاته (العاطفية)، و(الفكرية)، أكثر تعقيداً، وتحدياً. ومن هذا المنطلق، فإن (النمط الآمن) لا يعني الاستجابة المطلقة لرغبات الطفل، وإنما القدرة على الإصغاء إليه، والتفاعل معه، ضمن إطار من الثوابت، والقيم، والعادات الاجتماعية، مع مراعاة تأثير المدرسة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والانفتاح على العالم». ويشير إلى أن الطفل، الذي يشعر بأن بإمكانه مشاركة مخاوفه، وأسئلته، ومشاعره مع والدَيْه، دون خوف من السخرية أو العقاب، ينمو وهو يمتلك قاعدة نفسية أكثر استقراراً، وقدرة أفضل على التعبير عن ذاته، وبناء علاقات صحية، لاحقاً. أما الطفل الذي يعيش في بيئة تفتقر إلى الحوار أو التقبّل، فقد يكبر وهو يحمل خوفاً دائماً من الرفض، أو عدم الكفاية.
أكثر من «معيل»
من أكثر المفاهيم، التي تغيّرت «نفسياً» في السنوات الأخيرة، فكرة «الأب المعيل»، مقابل «الأب الحاضر عاطفياً». فبحسب استشاري الطب النفسي، لا يحتاج الطفل فقط إلى مَنْ يوفّر احتياجاته المادية، بل إلى مَنْ يمنحه شعوراً بالأمان، والتقبّل، والقدرة على التعبير عن مشاعره، دون خوف. فالطفل الذي ينشأ مع أب متاح عاطفياً، يتعلّم بصورة غير مباشرة أن مشاعره مهمة، وأنه يستحق الحب والدعم، حتى في لحظات ضعفه، أو فشله. وهذا ينعكس، لاحقاً، على ثقته بنفسه، وطريقة دخوله في العلاقات، وقدرته على التعامل مع الضغوط النفسية بصورة صحية.. يقول: «قد يكبر الطفل، الذي يقتصر دَوْر الأب في حياته على الدعم المادي فقط، وهو يشعر بأن احتياجاته العاطفية غير مرئية؛ ما يجعله أكثر عرضة للخوف من الرفض، أو الحاجة المستمرة إلى إثبات قيمته للآخرين، أو حتى صعوبة التعبير عن مشاعره، بصورة صحية».
-

الأب.. «ذاكرة نفسية» ترافق الطفل طوال حياته
غياب «عاطفي»
من النقاط النفسية المهمة، التي يلفت إليها الدكتور آرام حسن، أن وجود الأب داخل المنزل، لا يعني – بالضرورة – حضوراً عاطفياً حقيقياً؛ فقد يعيش الطفل مع والده يومياً، لكنه يشعر «داخلياً» بأنه غير مرئي، أو غير مفهوم. ويشرح: «الانشغال الدائم، أو البرود العاطفي، أو قلة التفاعل مع الطفل، قد تجعله يفسّر هذا الغياب بأنه نوع من الرفض غير المباشر، حتى إن كانت الأسرة تبدو مستقرة من الخارج. ومع الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى خوف دائم من فقدان الحب، أو عدم التقبّل». ويضيف: «لا يتوقف الأمر عند الجانب النفسي فقط، بل يمتد أيضاً إلى الجهاز العصبي للطفل، إذ إن السنوات الأولى من العمر تعتمد، بشكل كبير، على التفاعل العاطفي لتنظيم مشاعر الخوف، والتوتر. وعندما يغيب هذا التفاعل؛ قد يبقى الطفل في حالة داخلية من القلق، أو التأهب المستمر، تظهر لاحقاً على شكل حساسية مفرطة تجاه النقد، أو صعوبة في تهدئة المشاعر، والانفعالات».
صوت داخلي
من أشد النقاط النفسية عمقًا، التي يتوقف عندها الدكتور آرام حسن، العلاقة بين الأب وصوت طفله الداخلي؛ فطريقة حديث الأب مع طفله لا تختفي مع مرور الوقت، بل تتحول تدريجياً إلى الطريقة التي يتحدث بها الطفل مع نفسه.. يوضح: «الأب الداعم، الذي يحتوي الأخطاء، ويمنح الطمأنينة، قد يتحول لاحقاً إلى مصدر ثقة داخلية؛ فيشعر الطفل بوجوده حتى في غيابه. أما النقد المستمر، أو التقليل من المشاعر، أو المقارنات، فقد تتحول إلى (ناقد داخلي) يرافق الإنسان لسنوات طويلة، ويؤثر في تقديره لذاته، وثقته بنفسه».
فكيف يساهم الأب في تشكيل مفهوم «الأمان النفسي»؟.. وهل يختلف هذا الدور عن دور الأم؟.. يقول استشاري الطب النفسي: إن الأب يساهم، إلى جانب الأم، في تشكيل مفهوم الأمان النفسي لدى الطفل، خاصة في سنواته الأولى، التي تُعد نقطة ارتكاز أساسية في تكوين شخصيته. فطريقة تعامل الوالدين مع مشاعر الطفل، وردود أفعالهما تجاه أخطائه، ومخاوفه، وتجارب حياته، تؤثر – بشكل مباشر – في إحساسه بالأمان، وطريقة تعامله مع نفسه، والآخرين، مستقبلاً. وقد يختلف أسلوب كلٍّ من الأب والأم، لكنّ كلاً منهما يلعب دوراً أساسياً في بناء هذا الشعور الداخلي بالأمان، والثقة. ويؤكد الدكتور آرام حسن أن المقارنات، والنقد المستمر، من أكثر الأمور التي تترك آثاراً عميقة في شخصية الطفل؛ لأنها تزرع، بداخله، شعوراً دائماً بالنقص، وعدم الكفاية. وهذا يُلاحظ، كثيراً، لدى البالغين الذين يعانون مشكلات في الشخصية، أو صعوبة في تجاوز ذكريات الطفولة، والمراهقة المؤلمة، لاحقًا.
القسوة تصنع «شخصية ضعيفة»
يعتقد بعض الآباء أن القسوة، والتسلط، يصنعان شخصية قوية، لكن – في كثير من الأحيان – يكون العكس هو الصحيح؛ فقد تبدو الشخصية قوية من الخارج، لكنها في الداخل تحمل قدراً كبيراً من الخوف، أو القلق، أو الصدمات النفسية غير المعالجة. ويؤكد استشاري الطب النفسي أن التربية القائمة على التسلط قد تدفع الطفل إلى كبت مشاعره، والتعامل بحدة، أو قسوة، مع نفسه، والآخرين؛ ما قد يؤدي، أحياناً، إلى شخصية غير متوازنة، أو مضطربة نفسياً، وعاطفياً. ويضيف: «الحزم يختلف تماماً عن التسلّط؛ فالحزم يساعد الطفل على بناء ضمير نفسي صحي، بينما يصنع التسلّط الخوف، أو التمرد الداخلي».
اختبار العلاقة القديمة
بحسب الدكتور آرام حسن، غالباً تعكس مرحلة المراهقة طبيعة العلاقة السابقة بين الطفل، ووالده؛ فحتى عندما يبدو المراهق بعيداً أو صامتاً، فإنه يكون بحاجة عميقة إلى الحوار، والتفهّم، والاحتواء.. ويؤكد: «غياب الصراحة، والحوار العاطفي، قد يجعل الابن أقل قدرة، لاحقاً، على بناء علاقات صحية، أو التعبير عن مشاعره؛ بسبب الخوف من الرفض، أو عدم التقبّل. وفي بعض الحالات، قد يتطور الأمر إلى تعلق مرضي بالآخرين، أو خوف شديد من فقدانهم».
هل يمكن إصلاح الأثر النفسي؟
ورغم عمق بعض الجروح النفسية المرتبطة بعلاقة الإنسان بوالده، إلا أن استشاري الطب النفسي يؤكد أن الإصلاح ممكن، لكنه يحتاج إلى وعي، ومصالحة نفسية حقيقية. ففي كثير من الحالات، تساعد الجلسات العلاجية، والحوار الصادق حول الذكريات المؤلمة، في تخفيف أثر الصدمات، وإعادة فهم التجربة بصورة أكثر نضجاً. ويشير إلى أن نية الأهل، في أكثر الأحيان، ليست الأذى، بل التربية، وفق ما عرفوه، أو عاشوه هم أنفسهم، لكن ذلك لا يلغي أثر التجربة في الطفل. لذلك، أصبح الوعي ضروريًا اليوم، خاصة مع تعقيدات التربية الحديثة، وتأثير العالم الرقمي، وانفتاح الأطفال عليه بشكل كبير.
الأبوة تحتاج إلى وعي
في ختام حديثه، يشدد الدكتور آرام حسن، استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي، بروفيسور مساعد غير متفرغ في جامعة الإمارات، على أن الطفل يمتلك فضولاً هائلًا، وقوة ملاحظة كبيرة، لكنه لا يزال محدود القدرة على تفسير ما يراه أو يسمعه؛ لذلك تبقى كلمات الأهل، وتصرفاتهم، ذات أثر عميق في تشكيل شعوره بالأمان، وتكوين شخصيته. كما يؤكد أن طلب الدعم النفسي، أو الاستشارة التربوية، لا يُعتبر ضعفاً، أو تقليلاً من دور الأهل، بل خطوة واعية تساعد الأسرة في فهم الطفل بصورة أفضل، ومساعدته في تخطي الصعوبات، وبناء شخصية صحية، ومتوازنة. وبفكرة لافتة.. يبين: «كما تحتاج قيادة السيارة، أو ممارسة أي مهنة، إلى تدريب ورخصة، فإن تربية الأطفال، أيضاً، تحتاج إلى وعي، وفهم، وإرشاد؛ لأن النية الجيدة، وحدها، لا تكفي دائماً».
Source link






Add comment