121NEWS

د. نرمين نحمدالله تكتب: نهر من ملح!


د. نرمين نحمدالله تكتب: نهر من ملح!

#مقالات رأي

«أنتِ حساسة جداً.. أشعر عندما أتعامل معكِ بأنني أسير على شظايا زجاج مكسور!».. جملة جمدتني لسنوات!.. جعلتني أكره نفسي.. ألبس قناعاً خلف قناع؛ كي أداري حقيقة ما أشعر به.. كي أزيح شظايا الزجاج عن خطواتك، وأدع الطريق أملس بيننا.. صدّقتُ أن الخطأ مني.. أنني وُلدت غير الناس ببشرة أكثر رقة، أو أن أعصابي كأسلاك كهربائية «عارية» تحت سيول المطر، أو أن أذني تخونني؛ فتصرُّ على أن تسمع ما يخدش قلبي! 

كنت أغبطك، وأنا أراك كأنك وُلدت ومعك درعك!.. درعٌ تتحصن بها من المشاعر، كأنك تريد أن تنساها، وتنساك!.. حاولت تقليدك، لكن درعي بقيت هشة، تنكسر مع أول ضربة!

كنت أغبطك، وأنا أراك بحراً هادراً، يجرف في تياره كلَّ شيء.. لا تهزمه عواصف ولا غيوم، لكنه لا يهدأ أبداً.. بينما بقيت أنا مجرد نهر، يكتفي أن يصب في مائك؛ حتى استحال نهراً من ملح!

اليوم، وأنا أراني أقف على نهاية طريق طويل، ما عدت أعرف فيه نفسي.. ما عدت تلك «الحساسة المزعجة».. بل ما عدت أشعر بأي شيء!.. نهري المالح صار يجري في عروقي، يذكرني بمرارة ما فقدته يوم ذبتُ فيك!

اليوم، قالت لي واحدة من صديقاتي (بمنتهى البساطة): «إنني أفتقدكِ!».. تفتقد ذاك الشعور الهادر، الذي كنت أستقبل به العالم كلَّ صباح.. قالت لي: إنني كنت أشبه شجرة عود نادرة، وسط بقية أشجار الغابة، التي يحترق خشبها، فتصير رماداً.. لكنَّ شجرة العود، وحدها، تستطيع أن تحيل ألمها عطراً.. فوجدتني أضحك!.. أضحك ضحكة حقيقية من تلك التي يرتجُّ معها الجسد، وليست تلك التي حفظتها في ملح نهري؛ حتى تشققت شفتاي!.. ووجدتني أشتاق إلى نفسي في عيون تحبني كما أنا.. تطلق سراح نهري، دون قيود؛ فيتعلم ألا يختلط ماؤه، ولا يرضى أن يتسرب إليه الملح.

الليلةَ، وأنا أتناول معك عشائيَ الأخير.. سألتك: «كم حرفاً في كلمة (أحبك)؟!».. «أربعة» هززت بها كتفَيْك (باستغراب)، وأنت تقول ما تظنه بديهياً!.. لكنني أمعنت النظر لعينَيْك.. وأنا أقول بيقين امرأة، استعادت نفسها بعد طول تيه: «هذا هو الفارق بيننا لصالحي.. أنا أراها خمسة حروف.. الحرف الأخير الذي لا تستطيع أنت تهجئته، قلبي يجيد قراءته بألف لغة.. لأنني حساسة.. حساسة جداً.. لو كنتَ عرفتَ قيمة هذا؛ لأدركتَ أنك لا تسير معي فوق شظايا زجاج مكسور، بل تحلق في سماء لم يرسم غيري غيماتها!».

قلتها، وتركتك خلفي غير نادمة.. لم تكن حساسيتي ذنباً بل فرطَ شعورٍ.. الآن، يمكنني أن أستسلم للبكاء أمام فيلم مؤثر.. يمكنني أن «أزعل»؛ لأن لون طلاء أظافري لم يناسب بشرتي.. يمكنني أن أحب، كامرأة تسكب روحها دون تحفظ.. وأن أكره؛ فأصفق الباب خلفي دون عَوْدة.. يمكنني أن أحب نفسي كما هي؛ مادام نهري عاد يتدفق.. بعدما لفظ ملحه!


Source link

ranzware

Add comment

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.