121NEWS

“الليلة التي سبقت الغابات”.. عزلة الإنسان على الخشبة السورية

هنا لا توجد بداية واضحة أو نهاية مكتملة، بل شخصيتان عالقتان تحت المطر، تحاولان النجاة بالكلام في مدينة لا تمنحهما سوى مزيد من العتمة.

يقترب المخرج منتجب صقر من نص برنار ماري كولتيس من زاوية مختلفة لا بوصفه نصاً أوروبياً جاهزاً للعرض، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل داخل السياق السوري. لذلك بدا العرض مشبعاً بحساسية محلية واضحة، سواء في اللغة المحكية أو في طبيعة الألم الذي تحمله الشخصيات، حيث يتحول التشرد هنا إلى استعارة أوسع عن إنسان فقد مكانه في العالم.

من المونولوج إلى جرح مشترك

النص الأصلي كتبه كولتيس كمونودراما طويلة لرجل وحيد يهذي تحت المطر، لكن صقر اختار تفكيك هذه الوحدة عبر إضافة شخصية نسائية، ليصبح العرض أقرب إلى “ديودراما” تتقاسم فيها الشخصيتان الخسارة نفسها، هذا الخيار لم يكن شكلياً، بل منح العمل عمقاً إضافياً، إذ لم تعد العزلة تخص فرداً واحداً، وإنما تحولت إلى قدر إنساني مشترك. الرجل والمرأة هنا لا يلتقيان بوصفهما شخصيتين دراميتين مكتملتين، بل بوصفهما صوتين للخذلان نفسه، ومحاولتين متعثرتين للبحث عن معنى أو مأوى أو حتى مستمع عابر.

وقد نجح كل من غسان الدبس ورشا الزغبي في بناء هذا التوتر الداخلي للشخصيتين، بعيداً عن الأداء الخطابي أو الانفعال الزائد. الدبس قدّم شخصية مأزومة تمشي طوال الوقت على حافة الانهيار، بينما منحت الزغبي الشخصية النسائية هشاشة موجعة جعلتها تبدو كأنها تحمل ذاكرة كاملة من الفقد والتعب.

المسرح بوصفه حالة لا حكاية

ينتمي العرض بوضوح إلى مسرح ما بعد الدراما، حيث تتراجع الحبكة التقليدية لصالح الحالة الشعورية والانفعال المباشر. لذلك لا يعتمد العمل على تصاعد الأحداث، بل على التدفق النفسي واللغوي للشخصيات.فالكلام هنا ليس وسيلة للسرد، بل محاولة يائسة لتأجيل السقوط في الصمت. الشخصيات تتكلم لأنها تخشى الاختفاء، وكأن اللغة آخر ما تبقى لها في مواجهة مدينة باردة وقاسية، ورغم كثافة النص وطابعه التأملي، حافظ العرض على إيقاعه الداخلي عبر الاقتصاد البصري والاعتماد على الإضاءة والصوت والحضور الجسدي للممثلين. لم يحتج صقر إلى ديكورات ضخمة أو حلول بصرية معقدة، بل ترك مساحة واسعة للكلمة وللانفعال الإنساني الخام.

المطر كاستعارة للعالم

المطر في العرض ليس مجرد خلفية بصرية، بل عنصر رمزي دائم الحضور. إنه صورة لعالم لا يمنح شخصياته الدفء أو الأمان، بل يتركها مكشوفة أمام خوفها الداخلي.حتى المدينة بدت في العرض كأنها كائن معادٍ، مدينة تعج بالبشر لكنها عاجزة عن الإصغاء، ولهذا جاءت الشخصيات معلقة بين الرغبة في التواصل والعجز عن الوصول إلى الآخر.

ومن خلال كسر الجدار الرابع، جعل صقر الجمهور جزءاً من هذه المواجهة.

الشخصيات لا تتحدث إلى بعضها فقط، بل إلى المتفرجين مباشرة، كأنها تطلب منهم الاعتراف بوجودها. وهنا يتحول الجمهور من متلقٍ محايد إلى شاهد على هشاشة الإنسان المعاصر.

انحياز للمهمشين

ما يميز العرض أنه لا يتعامل مع التشرد بوصفه قضية اجتماعية فقط، بل بوصفه سؤالاً وجودياً عن الإنسان حين يفقد عمله وبيته وصلته بالعالم. لذلك بدا العمل أقرب إلى صرخة هادئة في وجه مدينة لا ترى المهمشين إلا بوصفهم ظلالاً عابرة.

نجح منتجب صقر في تقديم قراءة سورية حساسة لنص عالمي، دون الوقوع في النقل الحرفي أو المباشرة، فخرج العرض مكثفاً ومؤلماً، وقادراً على تحويل الخشبة إلى مساحة إنصات للمنسيين. ولم يترك العرض متفرجه أمام قصة مكتملة، بل أمام شعور ثقيل بأن الإنسان قد ينهار أحياناً، لا لأنه فقد كل شيء، بل لأنه لم يجد من يسمعه.

ميسون شباني – RT


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

إعلان

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.