121NEWS

«الغيرة».. مرآة الداخل لا الآخر


«الغيرة».. مرآة الداخل لا الآخر

#تنمية ذاتية

«الغيرة» ليست شعوراً عابراً، يمكن اختزاله في كلمة واحدة، أو تفسيره كردة فعل بسيطة تجاه الآخر. ففي عمقها، تحمل «الغيرة» طبقات نفسية معقّدة، تتداخل فيها مشاعر الخوف، والنقص، والحاجة إلى الأمان والانتماء. وهي ليست مشكلة في حد ذاتها، بل انعكاس لما يحدث في الداخل، ومرآة صادقة تكشف ما لا نقوله لأنفسنا، وما لم ننجح في فهمه بَعْدُ.. في عالم اليوم، حيث تتسارع المقارنات، وتتضخم صور «النجاح»، و«الحياة المثالية»؛ أصبحت «الغيرة» أكثر حضوراً، ليس فقط بين الشريكين، بل بين الإخوة، والأصدقاء، وزملاء العمل أيضاً. وقد تظهر بهدوء، أو في سلوكيات غير مباشرة: نقد، أو انسحاب، أو حتى برود مفاجئ في العلاقات. لكن خلف كل ذلك، تدور أسئلة أعمق، مثل: ماذا تخفي «الغيرة» فعلاً؟.. وما الذي تحاول أن تقوله لنا؟.. ولفهم هذا الشعور بعيداً عن الأحكام السطحية؛ التقينا مريم البرغوثي، أخصائية علم النفس السريري للمراهقين والبالغين لدى «عيادات سيج»؛ لنغوص في جذوره، ونفكك دلالاته، ونبحث كيفية تحويله من عبء نفسي إلى أداة وعي ونمو.

  • «الغيرة».. مرآة الداخل لا الآخر
    «الغيرة».. مرآة الداخل لا الآخر

ترى مريم البرغوثي أن «الغيرة»، في جوهرها، ليست شعوراً سلبياً يجب التخلص منه، بل تجربة إنسانية طبيعية، تحمل رسائل نفسية مهمة.. وتوضح: «الغيرة تظهر؛ عندما يشعر الإنسان بتهديد لقيمته أو مكانته، حقيقياً أو متخيّلاً. وهي لا ترتبط فقط بالعلاقات العاطفية، بل تتجلى في مختلف العلاقات الإنسانية.. من الأسرة، إلى العمل». وتشرح: «الغيرة تكشف الكثير عن نظرة الإنسان إلى نفسه؛ فكلما كان تقدير الذات هشاً أو مشروطاً، زادت حساسية الفرد تجاه المقارنة. وهنا، لا تكون المشكلة في الآخر، بل في الفجوة التي يشعر بها الشخص بين ما هو عليه، وما يعتقد أنه يجب أن يكون عليه». هذه الفجوة، بحسب البرغوثي، هي الأرض التي تنمو فيها «الغيرة».

المقارنة عبء نفسي

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، تتضاعف هذه المشاعر؛ لأن المقارنة لم تَعُدْ عفوية أو محدودة، بل أصبحت مستمرة ومكثفة، فيرى الإنسان نسخاً «منتقاة» من حياة الآخرين. وتلفت أخصائية علم النفس السريري للمراهقين والبالغين، قائلة: «إن هذا يعزز شعوراً غير واقعي بالنقص، ويجعل الغيرة أكثر حضوراً وحدّة، خاصة لدى من يعانون أصلاً تذبذباً في تقدير الذات». وتتابع: «إن جذور الغيرة، غالباً، تعود إلى الطفولة، خاصة في العلاقات بين الإخوة؛ حين يشعر الطفل بأن الحب والاهتمام غير متوازنَيْن، وقد يفسر هذا بأنه تهديد لمكانته؛ ما يزرع داخله حساسية عالية تجاه المقارنة. وإذا لم تُفهم هذه المشاعر، ولم يتم احتواؤها؛ فقد تستمر معه إلى مراحل لاحقة من حياته، وتظهر في أشكال مختلفة داخل علاقاته».

غَيْرة تدفع.. وأخرى تُثقل

لكنَّ «الغيرة» ليست دائماً سلبية.. تفرّق مريم البرغوثي بين غيرة تدفع الإنسان إلى التطور، وأخرى تقوده إلى الإحباط؛ فتقول: «في الحالة الأولى، يرى الشخص نجاح الآخرين مصدرَ إلهام؛ فيحاول أن يتعلم، ويطوّر نفسه. أما في الثانية، فيُفسر نجاح الآخر بأنه تهديد مباشر له، ما يولد مشاعر عدائية، أو انسحابية». وحول شعور البعض بالغيرة من نجاح الآخرين؛ رغم عدم وجود تهديد مباشر في بيئة العمل، أو الصداقات.. تفسّر البرغوثي ذلك، بما يُعرف بـ«عقلية الندرة»، حيث يعتقد البعض أن النجاح محدود، وأن تقدّم الآخر يعني تراجعهم، وهذا النمط من التفكير يعكس، غالباً، خوفاً داخلياً من الفشل، أو عدم الكفاية، وهذا ليس واقعاً فعلياً.

مفتاح فهم «الغيرة»

ترى أخصائية علم النفس السريري للمراهقين والبالغين أن العلاقة مباشرة بين «الغيرة»، وتقدير الذات؛ فكلما كان الشخص أكثر ثقة بذاته، قلّ شعوره بالتهديد من الآخرين. أما مَنْ يعتمد في تقييم نفسه على المقارنة، فسيكون أكثر عرضة للغيرة؛ لأن قيمته تصبح مرتبطة بما يملكه الآخرون. وتشير إلى أن المشكلة لا تكمن في الشعور نفسه، بل في كيفية التعامل معه. وتضيف مريم البرغوثي: «عندما لا يعترف الإنسان بغيرته؛ قد تتحول إلى سلوكيات غير مباشرة، مثل: التقليل من الآخرين، أو نقدهم. وهذه السلوكيات، رغم أنها تمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة، إلا أنها تضر بالعلاقات، وتزيد الشعور الداخلي بعدم الرضا».

  • «الغيرة».. مرآة الداخل لا الآخر
    «الغيرة».. مرآة الداخل لا الآخر

«غيرة».. أم حسد؟

توضح مريم البرغوثي الفرق بين «الغيرة» والحسد، فتؤكد أن «الغيرة» تعني رغبة الشخص في الحصول على ما يملكه الآخر، مع تقبّل وجوده، بينما الحسد يتضمن رغبة في زوال هذه النعمة عنه. والفرق، هنا، ليس في الشعور فقط، بل في النية التي تقف خلفه. أما «الغيرة» غير المعالجة، فقد تؤثر – بشكل واضح – في جودة العلاقات؛ لأنها تصنع توتراً مستمراً، وتزيد سوء الفهم، وقد تؤدي – مع الوقت – إلى تباعد عاطفي. لذلك، ترى البرغوثي أن الخطوة الأولى للتعامل معها هي الاعتراف بها، دون حكم، أو جلد للذات.

دافع للنمو

تنصح أخصائية علم النفس السريري للمراهقين والبالغين بأن يتعامل الإنسان مع «الغيرة» بفضول لا بخوف، وأن يسأل نفسه: ماذا يكشف هذا الشعور عني؟.. وما الذي أحتاج إليه الآن؟.. إن هذا النوع من الوعي يفتح الباب لفهم أعمق، بدلاً من الاكتفاء بردود فعل سطحية. وتضيف: «هناك أدوات نفسية تساعد في التعامل مع الغيرة، مثل: تدوين المشاعر، ومراجعة الأفكار السلبية، وإعادة صياغتها بطريقة أكثر واقعيةً. كما أن الامتنان، والتركيز على الإنجازات الشخصية، يساعدان في تقليل حدة المقارنة». ومن منظورها، يمكن تحويل «الغيرة» إلى دافع إيجابي؛ إذا تم توجيهها بشكل صحيح؛ فعندما يرى الإنسان في نجاح الآخرين مؤشراً إلى ما يمكن تحقيقه، تتحول «الغيرة» من عبء إلى طاقة محفّزة للنمو.

مؤشر مقلق

في بعض الحالات قد تصبح «الغيرة» مفرطة، وتؤثر في الحياة اليومية.. وهنا تشير مريم البرغوثي، أخصائية علم النفس السريري للمراهقين والبالغين لدى «عيادات سيج»، إلى أهمية طلب المساعدة المتخصصة، خاصة إذا كانت «الغيرة» مصحوبة بقلق دائم، أو أفكار سلبية متكررة.. وتختم (ناصحة): «الغيرة ليست شيئاً نخجل منه، بل شعور يمكن فهمه، وتطوير علاقتنا معه. والاعتراف به، وتقليل المقارنات غير الواقعية، والتركيز على المسار الشخصي.. كلها خطوات تساعد في تحويل هذا الشعور إلى أداة وعي، بدلاً من أن يكون مصدراً للضغط».


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

إعلان

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.