«القلب المنكسر».. الألم العاطفي يصبح خطراً صحياً!
#صحة
لاما عزت
اليوم
بين ما نشعر به، وما يختزنه الجسد، مساحة دقيقة تتقاطع فيها العاطفة مع العلم. فكم مرة وُصِف الحزن بأنه «يكسر القلب»، وكم بدا هذا التعبير أقرب إلى البلاغة منه إلى الحقيقة؟.. لكن الطب الحديث يكشف، اليوم، أن بعض المشاعر، حين تبلغ ذروتها، لا تبقى حبيسة النفس، بل تمتد لتترك أثراً مباشراً على القلب ذاته. في هذه المساحة الحساسة، تتجلى «متلازمة القلب المنكسر» كواحدة من أكثر الحالات الطبية إثارة للاهتمام، حيث يتحول الألم العاطفي إلى استجابة جسدية حقيقية، تُربك القلب وتؤثر في أدائه.. في هذا الحوار، يضيء الدكتور حسين حشمت، أستاذ أمراض القلب بجامعة القاهرة واستشاري أمراض القلب التداخلي بدولة الإمارات، على هذه الظاهرة، كاشفاً أبعادها العلمية، ومفككاً العلاقة المعقدة بين المشاعر، وصحة القلب.
-

«القلب المنكسر».. الألم العاطفي يصبح خطراً صحياً!
«متلازمة القلب المنكسر»:
يقول الدكتور حسين حشمت: إن «متلازمة القلب المنكسر»، تعرف علمياً باسم «تاكوتسوبو»، وهي حالة طبية طارئة تصيب عضلة القلب، وتؤدي إلى ضعف مفاجئ ومؤقت في قدرتها على ضخ الدم. وعلى الرغم من أن أعراضها قد تشبه، إلى حد كبير، أعراض «النوبة القلبية»، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن الشرايين التاجية تكون سليمة، بينما تتأثر عضلة القلب نفسها نتيجة صدمة وظيفية مؤقتة. ويضيف: اللافت في هذه الحالة أن القلب، في لحظة الانفعال الحاد، يتغير شكله ووظيفته بشكل مؤقت، كأنه يعكس بصرياً ما يشعر به الإنسان داخلياً، في مشهد يجمع بين العلم والمجاز في آنٍ.
محفزات عدة:
يوضح الدكتور حشمت أنه رغم ارتباط «المتلازمة» في الوعي العام بالحزن أو الفقد، إلا أن العلم يثبت أن المحفزات لا تقتصر على الجانب العاطفي. ويقول: «قد تحدث نتيجة ضغوط جسدية قاسية، مثل: العمليات الجراحية، أو الأزمات الصحية الحادة، كما يمكن – في حالات نادرة – أن تنتج حتى عن مشاعر الفرح الشديد. والعامل المشترك هنا ليس نوع الشعور، بل شدته، إذ يؤدي الاندفاع المفاجئ لهرمونات التوتر، خصوصاً الأدرينالين، إلى ما يشبه (صعق) عضلة القلب، ما يفسر هذا التفاعل الحاد».
كيف نميز بينها.. وبين «النوبة القلبية»؟
يشير الدكتور حشمت إلى أن التشخيص تحدٍّ حقيقي، لأن الأعراض – كألم الصدر، وضيق التنفس – قد تكون متطابقة تقريباً. لكن في حين تنتج «النوبة القلبية» عن انسداد في الشرايين، فإن «متلازمة القلب المنكسر» لا ترتبط بأي انسداد، بل بخلل مؤقت في وظيفة العضلة. ويقول: «هذا الفرق يمنح مرضى هذه المتلازمة فرصة تعافٍ أفضل، إذ غالباً تعود وظائف القلب إلى طبيعتها خلال أسابيع، خلافاً للأضرار الدائمة، التي قد تتركها الجلطات القلبية».
-

الدكتور حسين حشمت
مَنْ الأكثر عرضة للإصابة بها؟
يبيّن الدكتور حشمت أن الدراسات تشير إلى أن النساء، بعد سن الخمسين، هن الفئة الأكثر عرضة للإصابة، ويرتبط ذلك بانخفاض هرمون الإستروجين، الذي يلعب دوراً وقائياً للقلب. كما تزداد احتمالية الإصابة لدى من يعانون القلق أو الاكتئاب، ما يعزز فكرة الترابط العميق بين الجهاز العصبي، وصحة القلب.
المشاعر.. «كيمياء الجسد»:
يشرح الدكتور حشمت أن المشاعر القوية ليست مجرد حالات نفسية عابرة، بل سلسلة من التفاعلات الكيميائية المعقدة، فيقول: «عند التعرض لصدمة عاطفية، يفرز الجسم كميات كبيرة من الهرمونات، التي تؤثر مباشرة في الأوعية الدموية ووظائف القلب، مسببة تشنجاً مؤقتاً ونقصاً في التروية، ولهذا قد يُترجم الألم العاطفي إلى أعراض جسدية حقيقية، مثل: خفقان القلب، أو ضيق التنفس، أو حتى ألم الصدر، وكلها استجابات فسيولوجية، وليست مجرد أوهام».
بين التوتر الحاد.. والمزمن:
يقول الدكتور حشمت: إن «متلازمة القلب المنكسر» تمثل استجابة حادة ومفاجئة، بينما يعمل التوتر المزمن بشكل تدريجي، لكنه لا يقل خطورة. ويوضح أن استمرار الضغط النفسي يرفع مستويات الكورتيزول، ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وزيادة الالتهابات، وتسريع تصلب الشرايين. ويضيف أن هذا الضغط المستمر قد يتحول، مع الوقت، إلى عامل خطر حقيقي لأمراض القلب التقليدية.
هل يمكن أن تتكرر؟
يؤكد الدكتور حشمت أن معظم الحالات تشهد تعافياً كاملاً، إلا أن احتمال تكرار الإصابة يبقى قائماً، خاصة في حال التعرض لضغوط نفسية شديدة لاحقاً، ما يجعل إدارة التوتر أمراً ضرورياً.
-

«القلب المنكسر».. الألم العاطفي يصبح خطراً صحياً!
حماية بيولوجية:
يشير الدكتور حشمت إلى أن الدعم النفسي والاجتماعي، لا يقتصر على الجانب المعنوي، بل يمتد إلى تأثيرات بيولوجية مباشرة، إذ يعزز إفراز هرمونات، تساعد على تهدئة استجابة الجسم للتوتر، وتخفف العبء عن القلب. ويؤكد أن العلاقات الإنسانية الدافئة عنصر أساسي في الحفاظ على صحة القلب.
كيف نحمي قلوبنا في الأزمات؟
في لحظات الضغط العاطفي، يصبح التعامل مع المشاعر ضرورة صحية، وليس مجرد خيار. وينصح الدكتور حشمت بممارسة تقنيات التنفس العميق، وتجنب كبت المشاعر، والابتعاد عن المنبهات، إضافة إلى طلب المساعدة الطبية فور ظهور أعراض مقلقة، مثل: ألم الصدر، أو ضيق التنفس.
Source link






Add comment