
كشفت تجارب حقيقية أُجريت في جنوب أفريقيا وبريطانيا خلال السنوات الماضية عن مفارقة تبدو كالنكتة، حمامة زاجلة تحمل فلاش ميموري تفوقت في نقل البيانات على اتصال إنترنت أرضي «رسمي» لدى أكبر شركات الاتصالات هناك.
بدأت القصة عندما اشتكى موظفو شركة تقنية في مدينة ديربان من بطء خدمة الـADSL، وقال أحدهم ساخرًا إن «البيانات هتوصل أسرع لو بعتها على رجل حمامة»؛ لتقرر الشركة تحويل المزحة إلى تجربة عملية أمام الإعلام.
في 2009، ربطت الشركة فلاش ميموري سعته 4 جيجابايت في رجل حمامة أسموها «ونستون»، وأطلقتها في رحلة جوية لمسافة تقارب 60 ميلًا (حوالي 96 كيلومترًا)، وفي نفس اللحظة بدأت تحميل نفس الملف عبر الإنترنت.
استغرقت الحمامة حوالي ساعة و8 دقائق للوصول، مع ساعة تقريبًا لنسخ البيانات على الكمبيوتر، بينما لم يستطع اتصال الـADSL خلال نفس الفترة سوى نقل 4% فقط من حجم الملف. النتيجة؟ الحمامة «سحقت» الإنترنت البطيء في سباق السرعة بشكل مُعلن أمام الجميع.
سباق آخر في بريطانيا.. نفس الفكرة ونفس الفضيحة
لم تكن جنوب أفريقيا وحدها في هذا النوع من التجارب؛ ففي 2010 نظّم نشطاء في بريطانيا سباقًا مشابهًا بين حمامة زاجلة واتصال إنترنت ريفي بطيء، لنقل ملف فيديو حجمه 300 ميجابايت من مزرعة في يوركشاير إلى وجهة تبعد 120 كيلومترًا.
حملت عشرة حمامات وحدات USB وانطلقت في الجو، بينما بدأ في نفس اللحظة رفع الفيديو عبر الإنترنت. بعد ساعة وربع تقريبًا وصلت الحمامات إلى الهدف، بينما كان التحميل عبر الإنترنت قد وصل فقط إلى 24% من حجم الملف.
الهدف من التجربة كان فضح ضعف البنية التحتية للإنترنت في المناطق الريفية، وإجبار الحكومة والشركات على الاستثمار في تحسين السرعات التي لا تواكب متطلبات العصر.
كيف تفوقت الحمامة على الألياف والكابلات؟
المفارقة هنا ليست أن الحمامة «أسرع من الضوء» بالطبع؛ فإشارة الإنترنت تسافر في الألياف بسرعة هائلة، لكن المشكلة في «سرعة الخط نفسه» وقدرته على نقل كمية كبيرة من البيانات في وقت معقول.
في حالة الاتصال البطيء (مثل ADSL بسرعات متواضعة)، يستغرق نقل جيجابايتات من البيانات ساعات طويلة، بينما تستطيع حمامة واحدة أن تحمل فلاش ميموري بعدة جيجابايتات، تطير بها لمسافة عشرات الكيلومترات في زمن أقل، فتبدو في الواقع أسرع في «معدل نقل البيانات الفعلي» مقارنة بالإنترنت المتهالك.
صحيفة واشنطن بوست أشارت في تقرير حديث إلى أن هذا النوع من التجارب ما زال يتكرر بشكل ساخر حتى اليوم، إذ قام مطور برمجيات أمريكي في 2023 بربط 3 تيرابايت من وحدات التخزين في حمامة، لتتفوق فعليًا – كمعدل نقل إجمالي – على اتصال فايبر منزلي بسرعات جيجابِت، عندما تكون المسافة محدودة والبيانات ضخمة جدًا.
الفكرة الجوهرية أن المقارنة هنا لا تقيس جزءًا من الثانية، بل تحسب «كم جيجابايت نقلت واستغرقت من الوقت؟».
الرسالة الحقيقية خلف «نكتة الحمامة»
رغم الطابع الكوميدي للقصة، فإن الرسالة شديدة الجدية: الاعتماد على اتصالات إنترنت بطيئة لا يؤثر فقط على تحميل فيلم أو لعبة، بل يضر الأعمال، والتعليم، والوظائف، ويخلق فجوة رقمية بين المدن الكبرى والمناطق الريفية أو الدول ذات البنية التحتية الضعيفة.
منظمات عديدة استخدمت هذه التجارب كحملة ضغط على شركات الاتصالات والحكومات للاستثمار في الألياف الضوئية ورفع سرعات الحد الأدنى، مؤكدة أن بقاء الإنترنت بهذه الحالة يعني عرقلة اقتصادات كاملة في عصر يعتمد على الخدمات السحابية والعمل عن بعد والتعلم الإلكتروني.
باختصار، حين تهزم حمامة زاجلة خط إنترنت في سباق سرعة لنقل ملف، فالمشكلة ليست في تطور الحمامة، بل في تأخر الشبكة. القصة تبدو طريفة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة «فضيحة تقنية» مكتملة الأركان تكشف أن بعض الشبكات حول العالم ما زالت تعيش في زمن ما قبل السحابة، وما قبل حتى ساعي البريد الإلكتروني.




Add comment