وبينما تتباين توقعات المصارف الكبرى بين تشاؤم بنك أوف أميركا و”يو بي إس” وتفاؤل “إتش إس بي سي” و”مورغان ستانلي“، يقدّم عمرو عبده، الشريك المؤسس لأكاديمية “ماركت تريدر”، قراءة تجمع بين الحذر قصير الأجل والتفاؤل بعيد الأجل. وفي الخلفية مفارقة لافتة: المصرف الذي هدّد رئيسه يوماً بفصل أي موظف يتداول البيتكوين يضعها اليوم في صدارة توقعاته الاستثمارية.
مشهد الأسعار وانقسام المصارف
تراجع الذهب من 5600 دولار للأونصة مطلع العام إلى نحو 4150 دولاراً. ويشكك بنك أوف أميركا في قدرته على الصمود فوق 4000 دولار هذا العام، ويتوقع “يو بي إس” ألا يتجاوزها مع نهاية العام.
أما “إتش إس بي سي” و”مورغان ستانلي” فيتوقعان استقراره قرب 4500 دولار بسبب ارتفاع عوائد السندات والرهان على رفع الفائدة الأمريكية. ورغم هذا التباين، تتفق المصارف على نظرة متفائلة بعيدة المدى، تتوقع عودة الأونصة إلى نحو 5000 دولار العام المقبل، مدفوعة بمشتريات البنوك المركزية والتوترات الجيوسياسية والقلق من الديون الحكومية.
السيناريوهان: التضخم والفائدة في الميزان
يرى عبده أن السيناريو الأسوأ هو استمرار ارتفاع التضخم عالمياً، ما يرجّح أن ترفع البنوك المركزية الفائدة قبل أن تخفضها. وفي هذه الحالة يستمر الضغط على الذهب، وإذا كسر مستوى 4000 دولار، وهو مهم نفسياً، فسيصعب عليه استعادته خلال ثلاثة إلى ستة أشهر على الأقل. أما السيناريو الأفضل فهو تراجع التوترات الجيوسياسية وانخفاض أسعار النفط، ما يعطي مؤشراً على أن التضخم بلغ ذروته ويمنح الذهب متنفساً من ضغط عوائد السندات.
السندات تسحب السيولة
يتوقع عبده اتجاه الذهب إلى الانخفاض على المدى القصير، لأن عائد سندات السنتين الأمريكية يقارب 4.7 بالمئة وعائد العشر سنوات، وهو الأهم، يتجاوز 5 بالمئة. وللأمر أثران: العائد المرتفع يرجّح كفة السندات كملاذ آمن، كما يزيد تكلفة الدين على الشركات المقترضة، فيسحب سيولة كان يمكن أن تتجه إلى الذهب.
المركزي الروسي يبيع والمعروض يتسع
على المدى المتوسط حتى منتصف 2027، يرى عبده أن الذهب سيكسر حاجز 4000 دولار ما لم يتغير شيء جذرياً، خاصة مع بدء بنوك مركزية كبرى البيع بكميات كبيرة. وأبرز مثال بيع البنك المركزي الروسي نحو 62 طناً، وهو أكبر انخفاض في احتياطيه منذ عام 1998، بهدف دعم العملة المحلية. ويرى أن بنوكاً أخرى تعاني ضغطاً على عملاتها وتملك الذهب ستسيّله بالطريقة نفسها.
استراتيجية الشراء: التدريج وفرصة التجميع
يوصي عبده بالشراء المتدرج، معتبراً أي نزول فرصة. ويصف مستوى 4100 دولار بأنه دعم فني معتبر، ويرى أن الشراء عند 4150 دولاراً مقبول حتى لو هبط السعر 100 دولار أو إلى ما دون 4000. ويتوقع أن يرتفع الذهب إلى نحو 5000 دولار خلال 12 إلى 24 شهراً، وألا يستبعد عودة 6000 دولار على المدى البعيد، إذا ارتفع التضخم بدرجة كبيرة واتجهت إلى الذهب كتلة من الناس تبحث عن ملاذ آمن ولا تستطيع الاستثمار في السندات.
ليس مبالغة: ثلاثة محركات والذهب الرقمي
ينفي عبده وجود مبالغة عند 5600 دولار، لأن الشراء كان حقيقياً من ثلاث جهات: الأفراد والبنوك المركزية والذهب الرقمي (Tokenized Gold). ويتزايد حضور الأخير بين المستثمرين الأصغر سناً، ويبدو أن مجلس الذهب العالمي يتبناه. وهو نوعان: مشتقات مالية تتبع السعر، أو أصول عالم حقيقي (Real World Assets) مدعومة بذهب فعلي في خزنة ويدقّقها جهاز رقابي معتمد. ويوضح أن الإمارات تملك نظاماً متكاملاً لتداول الذهب والاستثمار فيه يخضع لرقابة الهيئات المختصة.
مرض لا موت: دروس التاريخ والتنويع
يقرّ عبده بأن الذهب “مريض”، إذ تأذّى من اشترى عند 5600 أو 5500 أو 5100 دولار. لكنه يذكّر بأن الذهب فقد في الخمس عشرة سنة الماضية أكثر من 50 بالمئة من قيمته أحياناً ثم عاد للارتفاع، ويخلص إلى أنه لا بديل عن تنويع المحفظة.
البيتكوين: قفزة بعوامل فنية وسيولة عائدة
على الجانب الآخر، قفز البيتكوين أكثر من 24 ألف دولار في أقل من أربعة أشهر وتفوّق على الأصول الأخرى في النصف الثاني من العام. ويتوقع “ستاندرد تشارترد” بلوغ 100 ألف دولار هذا العام، و”سيتي بنك” 113 ألفاً خلال نحو 12 شهراً، و”بيرنشتاين” 150 ألفاً بحلول منتصف 2027. ويعزو عبده نحو 80 بالمئة من الصعود الأخير إلى تسييل مراكز البيع على المكشوف. والسبب الثاني عودة سيولة كانت موجهة إلى شركات الذكاء الاصطناعي، بعد قرار “أوبن إيه آي” عدم طرح أسهمها للاكتتاب هذا العام، ودعوات بعض المديرين التنفيذيين إلى مزيد من الحذر والاحتراف في تطوير الذكاء الاصطناعي. ويرى أن الطلب مؤسسي لا مضاربي، إذ دخل صناديق المؤشرات المتداولة للبيتكوين أكثر من 500 مليون دولار في 19 أكتوبر.
لماذا يعتقد عبده أن الصعود مستدام؟
يرى عبده أن أسباب الانخفاض الكبير بدأت تتلاشى. ويستشهد بفشل التصويت في مجلس الشيوخ الأمريكي على “قانون الوضوح” (Clarity Act) الذي كان سيخضع العملات المشفرة لرقابة مشددة، مما يوحي بأن منظومتها ستواصل النضج. كما أن النظام المالي المبني على البيتكوين يتطور، فبعض البنوك تقبل رهنه للحصول على قرض لشراء منزل، فيحتفظ المالك بالأصلين معاً.
“جي بي مورغان”: انقلاب في الموقف
يتوقع “جي بي مورغان” في رؤيته طويلة الأجل أن يتفوق البيتكوين بعائد سنوي متوسط 10 بالمئة خلال عشرة أعوام، مقابل 7.5 بالمئة للأسهم الأمريكية و5.5 بالمئة للذهب، أي بلوغه نحو 207 آلاف دولار. وتأتي المفاجأة من أن رئيس البنك جيمي دايمون وصفها عام 2017 بأنها “عملة احتيال” وهدّد بفصل أي موظف يتداولها.
التوقعات الختامية
يتوقع عبده أن يقترب البيتكوين من 90 ألف دولار بنهاية العام، وأن يبلغ ما بين 150 و175 ألف دولار بنهاية العام المقبل، قائلاً إنه يطلق هذا التقدير على الهواء مباشرة.














Add comment