«اضطراب الشخصية الحدية».. رحلة البحث عن الاستقرار
#تنمية ذاتية
لاما عزت
اليوم
في حياة كل إنسان لحظاتٌ يشتد خلالها الغضب، أو يتسلل إليها الحزن، وغالباً تكون عابرة. لكن، هناك أشخاص يعيشون تقلبات انفعالية حادة، وخوفاً دائماً من الرفض، أو الهجر؛ فتتأثر علاقاتهم بالآخرين، ونظرتهم إلى أنفسهم، وهذه ملامح «اضطراب الشخصية الحدية»، أحد أكثر اضطرابات الصحة النفسية تعقيداً، وسوءَ فَهْم. فبينما يُنظر إلى المصاب، أحياناً، على أنه شخص صعبُ الطباعِ، أو مُبَالِغٌ في ردود أفعاله، يكون السبب أنه مريض باضطراب يؤثر في تنظيم المشاعر، وصورة الذات، والقدرة على بناء علاقات مستقرة. ورغم تزايد الوعي بالصحة النفسية، إلا أن المفاهيم الخاطئة لا تزال تؤخر التشخيص، والعلاج، لدى كثيرين.. في هذا الملف، التقينا الدكتور آرام حسن، استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي، وبروفيسور مساعد غير متفرغ في جامعة الإمارات؛ للحديث عن «اضطراب الشخصية الحدية»، وأبرز أسبابه، وأعراضه، وتأثيره في العلاقات، والحياة اليومية، وأحدث الأساليب العلاجية التي يمكن أن تساعد المصابين في استعادة استقرارهم النفسي، وجودة حياتهم.
أكثر من تقلبات مزاجية
قد يختلط مفهوم «اضطراب الشخصية الحدية» عند كثيرين؛ فيظنون أنه مجرد تقلب سريع في المزاج، أو شخصية شديدة الحساسية، إلا أن الحقيقة أشد تعقيداً من ذلك بكثير؛ فهذا «الاضطراب» نمط مستمر من عدم الاستقرار الانفعالي، واضطراب صورة الذات، وصعوبة الحفاظ على العلاقات، إلى جانب اندفاعية قد تنعكس على جوانب الحياة كافة.. يوضح الدكتور آرام حسن أنه، خلال فترة قصيرة، قد ينتقل المصاب من الغضب الشديد، إلى الحزن، أو الفرح، وقد تكون ردود أفعاله غير متوقعة حتى بالنسبة إليه. وقد يتصرف باندفاعية، وفي بعض الحالات تتطور معاناته النفسية إلى أفكار مؤذية للنفس، ما يجعل «الاضطراب» يتجاوز كونه مجرد تغيرات مزاجية عابرة؛ ليصبح حالة تحتاج إلى تقييم، وعلاج، متخصصين. ويُبين استشاري الطب النفسي أن نسبة انتشار «اضطراب الشخصية الحدية» عالمياً تراوح بين 2، و6%، ويؤكد أن التسرع في إطلاق التشخيص؛ اعتماداً على الأعراض الظاهرة فقط قد يقود إلى نتائج خاطئة؛ ما يجعل التقييم السريري (المتخصص) ضرورة لا غنى عنها.
-

«اضطراب الشخصية الحدية».. رحلة البحث عن الاستقرار
لماذا يحدث؟
ينتج «اضطراب الشخصية الحدية»؛ عادة، عن تفاعل مجموعة من العوامل: البيولوجية، والنفسية، والاجتماعية، وتختلف شدتها من شخص إلى آخر. ويوضح الدكتور آرام حسن أن الاستعداد الوراثي قد يؤدي دوراً في زيادة احتمالية الإصابة بهذا «الاضطراب». وتشير الدراسات إلى وجود اختلافات في طريقة معالجة الدماغ للمثيرات والانفعالات لدى بعض الأشخاص؛ تنعكس على أسلوب تفكيرهم، وشعورهم، واستجابتهم للمواقف المختلفة. وإلى جانب ذلك، تعد التجارب الصادمة، في الطفولة، من أبرز عوامل الخطورة، مثل: التعرض لسوء المعاملة، أو الإهمال العاطفي، أو التنمر، أو انفصال الوالدين؛ فهذه العوامل قد تترك آثاراً عميقة في صورة الإنسان عن نفسه، وتُضعف ثقته بالآخرين، وتؤثر لاحقاً في قدرته على بناء علاقات مستقرة، والشعور بالأمان العاطفي. ويؤكد استشاري الطب النفسي أن مصابين كثيرين مروا بتجارب قاسية، خلال سنواتهم الأولى؛ ما يفسر ارتباط هذا «الاضطراب»، أحياناً، بصورة ذاتية سلبية، وصعوبة في الثقة بالآخرين، وخوف دائم من فقدانهم، أو تخليهم عنه.
أعراض لا ينبغي تجاهلها
قد يصعب على كثيرين التمييز بين الانفعالات الطبيعية، والأعراض التي تستدعي استشارة مختص نفسي، خاصةً أن «اضطراب الشخصية الحدية» يتداخل في بداياته مع حالات نفسية أخرى. لكن استمرار بعض السلوكيات، وتصاعدها، قد يكونان مؤشراً إلى ضرورة طلب المساعدة. ويبين الدكتور آرام حسن أن أبرز هذه الأعراض: صعوبة السيطرة على المشاعر، وعدم وضوح صورة الإنسان عن نفسه، والتقلبات المزاجية الحادة، والشعور بالاكتئاب، واللامبالاة تجاه مواقف تستدعي تفاعلاً عاطفياً بطبيعتها. ويشدد استشاري الطب النفسي على أن «التشخيص لا يمكن أن يعتمد على الملاحظة الذاتية، أو الاختبارات المنتشرة عبر الإنترنت؛ لأن الوصول إلى تشخيص دقيق يتطلب تقييماً سريرياً شاملاً، يجريه طبيب نفسي، ويتضمن دراسة التاريخ المرضي، والاستعانة باستبيانات علمية معتمدة؛ لتقييم اضطرابات الشخصية».
خطأ تشخيصي شائع
الخلط بين أعراض «اضطراب الشخصية الحدية»، و«الاضطراب ثنائي القطب»، من أكثر الأخطاء التشخيصية شيوعاً؛ لتشابه بعضها، وفي مقدمتها التقلبات المزاجية، إلا أن الفرق بين الاضطرابين يكمن في طبيعة هذه التقلبات، ومدتها.. يوضح الدكتور آرام حسن أن التقلبات المزاجية لدى المصاب بـ«اضطراب الشخصية الحدية»، غالباً، تكون استجابة مباشرة لمواقف، أو خلافات في العلاقات الشخصية، وقد تستمر دقائق أو ساعات فقط، بينما ترتبط، أيضاً، بصعوبة تنظيم المشاعر، والخوف من الهجر، وعدم استقرار الهوية. أما «الاضطراب ثنائي القطب»، فتظهر فيه نوبات الاكتئاب، أو الهوس، بصورة مستقلة عن المواقف اليومية، وقد تمتد أياماً، أو أسابيع، أو حتى أشهراً، وتترافق مع تغيرات واضحة في النوم، والطاقة، والنشاط، والكلام، والتفكير.
الخوف أقوى من الطمأنينة
العلاقات الإنسانية من أكثر الجوانب تأثراً بـ«اضطراب الشخصية الحدية»؛ إذ يجد المصاب نفسه يعيش بين حاجته الكبيرة إلى القرب من الآخرين، وخوفه العميق من أن يتخلى عنه مَنْ يحبهم.. يبين استشاري الطب النفسي: «الاندفاعية، وسرعة تقلب المشاعر، تجعلان الحفاظ على العلاقات المستقرة أمراً بالغ الصعوبة؛ فقد يُرى المصاب شخصاً مثالياً في لحظة، ثم ينقلب هذا الانطباع تماماً بعد موقف بسيط؛ ما يؤدي إلى توترات متكررة، وصعوبة في استمرار الصداقات، أو العلاقات العاطفية». ويتابع: «الخوف من الرفض، أو الهجر، من السمات الأساسية لهذا (الاضطراب)؛ فقد يفسر المصاب بعض التصرفات العادية على أنها مؤشرات إلى التخلي عنه؛ فيتعامل معها بانفعال شديد، أو بمحاولات مستميتة للحفاظ على العلاقة، حتى إن لم يكن هناك ما يبرر هذا الخوف في الواقع».
رحلة التعافي
رغم التحديات التي يفرضها «اضطراب الشخصية الحدية»؛ إلا أن تشخيصه لا يعني أن المصاب محكوم بمعاناة دائمة؛ فمع التقييم الدقيق، والالتزام بالخطة العلاجية، يحقق مرضى كثيرون تحسناً ملحوظاً، ويستعيدون استقرارهم النفسي، والاجتماعي.. ويؤكد الدكتور آرام حسن أن العلاج يعتمد على خطة متكاملة، تُصمم وفق احتياجات كل مريض، ويشارك فيها فريق يضم طبيباً نفسياً، ومعالجاً متخصصاً في «اضطرابات الشخصية»، وقد تشمل مختصاً بعلاج الصدمات النفسية، أو اختصاصي تغذية عند الحاجة. كما قد يستفيد بعض المرضى من الجلسات الجماعية، إلى جانب الجلسات الفردية؛ لأنها قد تساهم في تطوير مهارات التواصل، والتفاعل مع الآخرين في بيئة علاجية آمنة. ويضيف استشاري الطب النفسي: ومن بين أكثر الأساليب العلاجية فاعليةً، يَبْرز العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، الذي طُور خصيصاً لمساعدة المصابين في تنظيم مشاعرهم، وإدارة انفعالاتهم، وبناء علاقات أكثر استقراراً. كما تشمل الخيارات العلاجية برامج أخرى، كالعلاج القائم على التمثل الذهني (MBT)، والعلاج بالمخططات، وفي الآونة الأخيرة أثبتت بعض الدراسات فاعلية علاج (EMDR)
Source link




Add comment