د. شما محمد خالد آل نهيان تكتب: الدقيقة التالية.. بعد الراية والنشيد!
د. شما محمد بن خالد آل نهيان
اليوم
عند الحادية عشرة، من صباح الثالث من نوفمبر كلَّ عام، نحتفل بـ«يوم العَلم»؛ حينها تقف الإمارات كلها في لحظة واحدة، وترتفع الراية على السواري في كل مكان، وتتجه العيون إلى تلك الراية، التي تخفق، وتحمل رمزية دولة الإمارات العربية المتحدة، ونردد النشيد الوطني، بشعور كله فخر وعزة، وتظل تلك اللحظات مشحونة بما لا تحمله ساعات طويلة من الكلام!
وبعد أن ينتهي النشيد الوطني، يعود الجميع إلى أماكنهم.. الطلاب يعودون إلى فصولهم، والموظفون إلى مكاتبهم.. وهنا تأتي «دقيقة ما بعد الاحتفال»، ومعها يبدأ سؤالي، الذي دائماً يراود عقلي: أين يذهب الانتماء، بعد أن تنتهي مراسم الاحتفالات؟!.. وماذا يبقى في الـ23 ساعة الأخرى من اليوم؟!.. وفي الأيام الـ365، التي تأتي بعد مراسم العَلم؟!.. فأعود إلى رمزية رفع العلم؛ لأن الراية تُرفع في السماء؛ لتذكرنا بأن الوطن يُصنع على الأرض، بالتفاصيل الصغيرة في حياة كل فرد منّا، وهي تفاصيل قد لا ينتبه إليها أحد، ولا تلتقطها عدسات الاحتفالات!
إن رمزية العلم تشبه عنوان الكتاب؛ لأنه يدل على المعنى من دون أن يشرحه، فالعنوان لا يغنينا عن قراءة نص الكتاب؛ مهما كانت بلاغته.. والنص، هنا، يعني ما نفعله في البيت، والشارع، ومكان العمل؛ فالراية تشير إلى الانتماء والوطنية، لكن الحياة اليومية هي التي تثبت ذلك.. وتقول: «إن الإشارة صادقة!».. إن الانتماء الحقيقي لا نقيسه بما نعلنه في احتفالاتنا الوطنية، لكنه يقاس بما نفعله؛ حين لا يرانا أحد، فهو أخلاق قبل أن يكون عاطفةً، وقبل حتى أن يتحول إلى مناسبة احتفالية!
حين أتأمل المجتمع الإماراتي؛ أجد مواضع مهمة عدة تدل على الانتماء!.. أجدها في البيت، حين تجتمع العائلة حول طاولة واحدة للطعام؛ حيث يكون الحوار بلهجتنا الإماراتية، بعيداً عن لغة «الشاشات الزرقاء»!.. وحين تعلم الأم بناتها «سنع استقبال الضيوف»، والأب يعلم أبناءه أخلاق التعامل مع الكبار، وغير ذلك من قِيَمنا الموروثة!.. فـ«السنع»، بما يحمله من قِيَم، هو الدستور الأول، الذي تعلمه الإماراتي، قبل المؤسسات، والدولة؛ لذلك سيظل الحفاظ على «سنعنا»، في تفاصيل حياتنا اليومية، انتماءً حقيقياً إلى الوطن.
وفي «الفريج»، الذي كان، قديماً، بمثابة وطن صغير داخل الوطن الكبير، كانت قوة العلاقات تنعكس على عمق التواصل بين أهله، وفزعتهم إلى بعضهم من دون أن يستدعيهم أحد!.. وهنا، لا أستعيد «الفريج» بشكله المعهود؛ فالعمارة تتغير، وإنما أتحدث عن روح الحياة اليومية فيه!.. تلك الروح التي تُظهر قيمة انتمائنا إلى بعضنا، وانتمائنا إلى قِيَمنا، ووطنا الكبير!
أما في العمل، فأجد أن إتقانه وفاء للوطن، لكنه لا يحتاج إلى مناسبات، أو مراسم. فالحفاظ على النظام، والقانون، والمال العام انتماء إلى الوطن أيضاً!.. وحين يحرص الفرد على ذلك؛ فهو يرفع راية الوطن في كل لحظة من تفاصيل يومه في العمل.
وفي الطريق، كذلك، أجد تلك التفاصيل الصغيرة في احترام آداب الطريق، وليس فقط في اتباع قوانين المرور؛ فاحترام القوانين جزء مهم، لكنَّ الآداب العامة تبقى التفاصيل اليومية البسيطة، التي تعلن الانتماء خلال كل لحظة نحرص فيها على حياة الآخرين على الطريق.. وفي هذا دليل على أننا نعي أن الطريق فضاء مشترك!
وفي النهاية.. ونحن في مجتمع يضم أكثر من 200 جنسية، يكتسب السؤال عن الانتماء عمقاً إضافياً؛ لأن المواطن سيبقى حارس الهوية، وحامل أمانة اللغة، والذاكرة، والقيم التي شُيد عليها المجتمع الإماراتي منذ القِدَم!.. وستظل الهوية الواثقة، والمتمسكة بجذورها، قويةً وراسخةً، ولن تستطيع هويات أخرى انتزاعها؛ مهما تشابكت معها في مفردات الحياة اليومية!.. وبعد أن تنتهي الاحتفالات، وتسكن الراية على السواري، وتصمت الحناجر عن ترديد النشيد الوطني؛ ندرك أن الأوطان تُحْفَظ بالتفاصيل الصغيرة في الحياة؛ حتى تصبح أهم نشيد وطني، يشارك فيه كل إنسان، خلال دقائق يومه على أرض الإمارات!
Source link














Add comment