صدر الصورة، Reuters
يتوجه المغاربة يوم الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول، إلى لجان الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب، أو الغرفة السفلى من البرلمان، لولاية مدتها خمس سنوات.
ويناهز عدد الناخبين المسجّلين 15.8 مليون شخص، فيما يتنافس 27 حزباً سياسياً على 395 مقعداً وفق نظام الاقتراع العام المباشر باللائحة والتمثيل النسبي، في رابع انتخابات برلمانية تشهدها المملكة المغربية منذ ما سمي بالربيع العربي في 2011.
وبدأت الحملة الانتخابية في الـ10 من سبتمبر/أيلول الجاري وتستمر حتى منتصف ليل الثلاثاء 22 من الشهر نفسه، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية.
وتأتي هذه الانتخابات بعد أسابيع من مُخاطرة ما لا يقل عن 70 ألف شخص معظمهم مغاربة بحياتهم في محاولة فاشلة للعبور إلى أوروبا عبر منطقة سبتة الحدودية مع إسبانيا، فيما عزاه مراقبون إلى الصعوبات الاقتصادية.
كما تعدّ هذه الانتخابات الاقتراع الأول في المملكة المغربية بعد احتجاجات ما عُرف إعلامياً بـ”حراك جيل زد 212″ العام الماضي؛ فضلاً عن كون هذه الانتخابات تتزامن مع صراعات مندلعة في الشرق الأوسط، على رأسها الحرب مع إيران.
وتستهدف الأحزاب السياسية المغربية المتنافسة اجتذاب الناخبين الشباب إلى صناديق الاقتراع، قاطعةً لهم الوعود بتوفير وظائف ومساكن بأسعار ميسورة.
وإلى ذلك، جعل حزبا “التجمع الوطني للأحرار”، و”الأصالة والمعاصرة” توفير فرص عمل للشباب محوراً لحملاتهم الانتخابية، متعهدَين بتوفير مليون فرصة عمل على مدى الدورة البرلمانية المقبلة، وفقاً لوكالة رويترز للأنباء.
وفي حديث لبي بي سي، رأى محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض في مراكش، أن هناك تقدماً ملموساً على مستوى مشاركة الشباب في هذه الانتخابات سواء كمرشحين أو ناخبين، مقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة.
وعزا الغالي ذلك إلى إجراءات قانونية عديدة تمت المصادقة عليها تضمّنتْ مقتضيات تشجّع مشاركة الشباب في الحياة الحزبية والسياسية.
وتمثل الفئة العمرية التي تتراوح بين 18و 24 عاماً نسبة تناهز 12 في المئة من سكان المغرب البالغ تعدادهم حوالي 36 مليون نسمة، فيما لا تزيد هذه النسبة بين الناخبين المسجّلين على ثلاثة في المئة فقط، وفقاً للإحصاءات الرسمية.
وتأتي البطالة ضمن أهم قضايا الشارع المغربي؛ وبحسب إحصاءات رسمية، تبلغ نسبة البطالة بين الشباب في المغرب حوالي 27 في المئة، وهي الأعلى بين الفئات العمرية الأخرى في المملكة، فيما سجّل معدل البطالة إجمالاً في المغرب نسبة 9.5 في المئة خلال الربع الثاني من 2026.
هذا على الرغم من تنامي الاقتصاد المغربي بقوة خلال السنوات الأخيرة في ظل حكومة عزيز أخنوش الائتلافية؛ فقد شهدت المملكة تقدماً ملحوظاً في قطاعات التصنيع والموانئ والسكك الحديدية، ونجحت في جذب استثمارات أجنبية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى نموّ الناتج المحلي الإجمالي في المغرب بنسبة 4.9 في المئة في عام 2025، وسط توقعات بتسجيل نموّ بنسبة 4.4 في المئة خلال العام الجاري 2026.
لكنّ هذا النمو القوي لم يترجَم إلى وظائف للشباب؛ وأشار تقرير حديث صادر عن البنك المركزي المغربي إلى فجوة بين الأداء الاقتصادي “الناجح” للحكومة وتطلعات المواطنين، لا سيما الشباب، على أرض الواقع.
ووفقاً لشبكة الباروميتر العربي البحثية المعنيّة بقياس الرأي العام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يرى أربعة من بين كل 10 أشخاص (39 بالمئة) أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع في المغرب، حيث يصنّف ثُلث المغاربة فقط الوضع الاقتصادي تصنيفاً إيجابياً.
هذه الفجوة، بحسب مراقبين، تركتْ البرنامج الاقتصادي الطموح للائتلاف الحزبي الحاكم على المحك، فيما أوجدتْ فرصة سانحة للمنافسة في هذه الانتخابات البرلمانية بين أحزاب المعارضة – لا سيما “العدالة والتنمية” ذي المرجعية الإسلامية الذي ظل في السُلطة لنحو عشرة أعوام قبل أن يُمني بهزيمة تاريخية في انتخابات 2021.
أبرز المتنافسين
يخوض حزب العدالة والتنمية هذه الانتخابات طمعاً في استعادة قاعدته الانتخابية، بعد أن تراجع تمثيله البرلماني من 125 إلى 13 مقعداً في انتخابات سبتمبر/أيلول 2021، فيما أحرز حزب “التجمع الوطني للأحرار” 102 مقعداً، وحزب الأصالة والمعاصرة 87 مقعداً، وحزب الاستقلال 81 مقعداً – لتشكل ثلاثتُها لاحقاً الائتلاف الحاكم برئاسة عزيز أخنوش.
ويطرح حزب العدالة والتنمية برنامجاً يؤكد على إصلاحات وأهداف واضحة ومحددة تغطي قطاعات بينها الخدمات العامة والعمالة والقدرة الشرائية، فضلاً عن إصلاحات مؤسسية.
وفي حديثه لبي بي سي، رأى محمد الغالي أستاذ العلوم السياسية أن هناك مؤشرات قوية على أن حزب العدالة والتنمية سيحقق تقدماً ملموساً في هذه الانتخابات مقارنة بانتخابات 2021، التي لم يستطع الحصول فيها حتى على العدد الكافي لتشكيل فريق نيابي (وهو 20 مقعداً).
وتطرح أحزاب الحكومة الائتلافية الثلاثة (التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال) في برامجها الانتخابية إصلاحات رئيسية تتضمن توسيع الحماية الاجتماعية، وغطاء التأمين الصحي، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية، لا سيما على صعيد التعليم والرفاه الاجتماعي.
ويرى المغاربة أن الإنفاق على الدعم والتعليم والرعاية الصحية هو أهم أولويات الإنفاق الحكومي، وفقاً لشبكة الباروميتر العربي.
وفي خضم حراك جيل زد 212، أشار محتجون غاضبون إلى “أولويات حكومية خاطئة”، مردّدين شعارات من قبيل: “الملاعب موجودة، لكن أين المستشفيات” و”الصحة أولاً، لا نريد كأس العالم”، في إشارة إلى المشاريع التي تشهدها مدن مغربية عديدة استعداداً لتنظيم كأس العالم عام 2030.
وإلى جانب أحزاب الحكومة الائتلافية الثلاثة وحزب العدالة والتنمية، يبرز في هذا السباق الانتخابي: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والذي يعدّ أحد أقدم أحزاب اليسار في المغرب؛ كما تشارك أيضاً أحزاب: الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري. ولعل أبرز المستجدات على الخريطة السياسية يتمثل في “تحالف اليسار” الذي أُعلن عن تأسيسه في يونيو/حزيران الماضي، ويضمّ الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي.
صدر الصورة، AFP
“مقاطعة”
وأعلنت جماعة العدل والإحسان، أكبر حركات الإسلام السياسي في المغرب، مقاطعة الانتخابات البرلمانية، داعية إلى عدم المشاركة فيها، نظراً لغياب ما وصفته بـ”أجواء المنافسة السياسية الحُرة والنزيهة”.
وعزت الجماعة قرارها إلى “النظام الحزبي” وعدم قدرة أي حزب على تشكيل حكومة بمفرده وتنفيذ برنامجه السياسي، قائلة إنها “لا تريد تقديم وعود للناس لا ترى إمكانية لتحقيقها في ظل الظروف السياسية القائمة”، وفقاً لرئيس الدائرة السياسية للجماعة عبد الواحد متوكل، في تصريحات نشرها موقع الجماعة.
وفي حديثه لبي بي سي، أشار أستاذ العلوم السياسية محمد الغالي إلى أن “جماعة العدل والإحسان لا تمارس العمل السياسي كحزب معترف به في إطار ضوابط وثوابت الدولة”، مشيراً إلى أن مشاركة الجماعة في الانتخابات من خلال مرشحيها “ليس مطروحاً بشكل مباشر”، وإنما اعتادت أن تلعب بعض الأدوار بشكل غير مباشر من خلال مساندة أطراف سياسية بعينها.
وفنّد الغالي حديث جماعة العدل والإحسان بخصوص “النظام الحزبي”، قائلاً إن نمط الاقتراع الذي تتبنّاه المملكة المغربية هو “النمط النسبي” الذي يتيح إمكانية التمثيل في البرلمان لأكبر عدد ممكن من الأحزاب بما في ذلك الأحزاب الصغرى.
ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن الطرح الذي تتبناه الجماعة يتعلق بـ”نمط الاقتراع الأغلبي” الذي يمكن في ظله لحزب واحد أن يشكل حكومة بمفرده، قائلاً إن هذا طرح “بِنيوي يتعلق برزنامة النظام الانتخابي ككُلّ”، بما يعكس موقفا “خلافياً مفصلياً” بين الجماعة والنسق السلطوي الرسمي في المملكة.
وأشار الغالي إلى أن النظام الانتخابي الحالي في المغرب لا يساعد أي حزب تقريباً على مضاعفة عدد المقاعد التي يحصل عليها؛ فهناك 92 دائرة سيحصل فيها كل حزب تقريباً على مقعد واحد. بالإضافة إلى اللائحة الجهوية للنساء التي تضم 90 مقعداً.
ويبلغ عدد المرشحين في هذه الانتخابات البرلمانية 7,288 بينهم 2,658 من النساء بنسبة 36.5 في المئة؛ وفي انتخابات 2021، استطاعت المرشحات تأمين 92 مقعداً، بما يمثل 24 في المئة من مقاعد البرلمان.
ويرى ثلاثة أرباع المغاربة تقريبا (73 في المئة) أن وجود النساء في مقاعد القيادة السياسية مفيد لتعزيز حقوق المرأة، وفقاً لشبكة الباروميتر العربي.
صدر الصورة، Maghreb Arabe Press
“تطلعات الشباب”
وتجري الانتخابات في المغرب وفقاً لإطار دستوري تأسّس في عام 2011؛ وينص على أن نظام الحكم في المغرب هو نظام “مَلكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”، يقوم على أساس فصل السلطات، لكن مع الحفاظ على الدور المركزي للمؤسسة المَلكية.
وبموجب المادة 47 من الدستور المغربي، يعيّن الملك رئيسَ الحكومة من الحزب السياسي المتصدّر في انتخابات أعضاء مجلس النواب؛ كما يتولى الملك رئاسة مجلس الوزراء الذي يضمّ رئيس الحكومة؛ فيما تتولى الحكومة مهام السلطة التنفيذية؛ بينما يمارس البرلمان مهامه التشريعية والرقابية.
ووفقاً لوكالة رويترز، فإن نسبة لا تتجاوز ثُُلث المغاربة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً يقولون إنهم يثقون في البرلمان، أو رئيس الوزراء أو الأحزاب السياسية؛ كما يقول ناخبون مغاربة شباب إن لديهم انطباعاً بأن الانتخابات تتمخض عن أحزاب ليس بينها فارق أيديولوجي كبير ولا تثمر عن تغييرات سياسية ملموسة.
ويرى أستاذ العلوم السياسية محمد الغالي أن “وسائل التواصل الاجتماعي، ووصول المعلومة بشكل انسيابي، لها تأثيرها على تطلعات الشباب فيما يتعلق بالمشاركة والتصويت في الانتخابات”.
ويعتقد الغالي أن هناك حاجة إلى ضرورة ابتداع آليات مؤسساتية أخرى تكفل الاستجابة لتطلعات الشباب التي عادة ما تكون تطلعات كبرى، لا سيما في ظل “توجّه عام يرى أن التمثيل عن طريق البرلمان وحده لم يعد يكفي”.
فيما رصدتْ بيانات شبكة الباروميتر العربي أنه وبعد تقلُّب في الآراء حول دعم الديمقراطية في السنوات الماضية، زاد دعم المغاربة للحُكم الديمقراطي، وبخاصة دعم النظام البرلماني متعدّد الأحزاب (68 في المئة).
Source link




Add comment