121NEWS

معركة التضخم.. لماذا أصبحت أكثر تعقيداً؟


فبعد أكثر من أربع سنوات من أكبر موجة تضخم شهدها العالم منذ عقود، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في عامي 2022 و2023. فبينما نجحت البنوك المركزية في تهدئة جزء كبير من الضغوط الناجمة عن الطلب عبر رفع أسعار الفائدة بقوة، يعتقد عدد متزايد من الاقتصاديين أن التضخم الحالي لم يعد مجرد نتيجة لإنفاق المستهلكين والشركات، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بعوامل هيكلية على جانب العرض، بدءاً من اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية وإعادة تشكيل التجارة العالمية.

ما الفرق بين تضخم الطلب وتضخم العرض؟

  • التضخم الناجم عن الطلب (Demand-Pull Inflation)

ينشأ التضخم الناجم عن الطلب عندما يتجاوز الطلب الكلي قدرة الاقتصاد على الإنتاج، فتتنافس الأسر والشركات على السلع والخدمات وترتفع الأسعار. هذا النوع من التضخم هو الأكثر قابلية للعلاج عبر السياسة النقدية التقليدية، لأن رفع أسعار الفائدة يقلل الاقتراض والإنفاق والاستثمار.

  • الأسباب: نمو اقتصادي سريع، التوسع في الإنفاق الحكومي، زيادة السيولة والإقراض، أو ارتفاع ثقة المستهلكين.
  • تأثيره على النمو: يرافقه -عادةً- ارتفاع في معدلات التشغيل والنمو الاقتصادي.
  • كفاءة البنوك المركزية: عالية جداً. رفع أسعار الفائدة يرفع تكلفة الاقتراض، ويشجع على الادخار، مما يمتص السيولة ويهدئ من فوران الطلب الكلي بشكل مباشر.
  • التضخم الناجم عن العرض (Cost-Push Inflation)

أما التضخم الناجم عن العرض فيحدث عندما ترتفع تكاليف الإنتاج أو تتراجع القدرة الإنتاجية بسبب صدمات خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اختناقات سلاسل التوريد أو الحروب أو الكوارث الطبيعية. في هذه الحالة ترتفع الأسعار حتى لو كان الطلب ضعيفاً نسبياً، ما يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة.

  • الأسباب: صدمات أسعار الطاقة والنفط، النزاعات الجيوسياسية، اضطراب سلاسل التوريد، وزيادة أسعار المواد الخام.
  • تأثيره على النمو: يؤدي لارتفاع الأسعار بالتزامن مع تباطؤ النمو أو انكماشه (حالة “الركود التضخمي” – Stagflation).
  • كفاءة البنوك المركزية: محدودة. أسعار الفائدة المرتفعة لا تستطيع استخراج المزيد من النفط، ولا حل معضلات الشحن البحري، بل قد تزيد من أعباء تكلفة التمويل على الشركات.

وكانت موجة التضخم العالمية بعد جائحة كورونا مثالاً واضحاً على تفاعل النوعين معاً، فقد أدى الدعم المالي والنقدي الضخم إلى تعزيز الطلب، في حين تسببت أزمة أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط – وما صاحبها من اضطرابات في الشحن ونقص في العمالة وارتفاع لأسعار الطاقة – في تقييد العرض.

ماذا يقول أحدث تقييم للاقتصاد العالمي؟

بحسب أحدث تحديثات صندوق النقد الدولي، فإن مسار تراجع التضخم العالمي الذي بدأ في 2024 تباطأ خلال 2026، مع توقع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7 بالمئة هذا العام قبل أن يتراجع مجدداً في 2027. ويربط الصندوق ذلك بارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية وتزايد مخاطر سلاسل التوريد.

كما حذر البنك الدولي من أن صدمات الطاقة الأخيرة أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، مشيراً إلى أن مزيج التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الأبطأ يفرض تحديات معقدة على صناع السياسات في الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

من جانبها، أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة والسلع الأساسية قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة سريعاً، ما يعني بقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول مما كانت الأسواق تتوقع.

هل كانت البنوك المركزية على الطريق الصحيح؟

الإجابة المختصرة هي: نعم جزئياً، لأن البنوك المركزية (مثل الفيدرالي الأميركي، والمركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا) تواجه معضلة استثنائية، إذ إن الموجة التضخمية الراهنة هي مزيج مركّب بين الجانبين، فقد نجحت هذه البنوك الكبرى في كبح جزء مهم من التضخم المرتبط بالطلب من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة، وهو ما ساعد في منع تحول الصدمة التضخمية إلى دوامة مستمرة من ارتفاع الأجور والأسعار.

لكن المشكلة تكمن في أن السياسة النقدية لا تستطيع إنتاج مزيد من النفط أو إصلاح سلاسل الإمداد أو إنهاء النزاعات الجيوسياسية. ولذلك فإن رفع الفائدة يحد من الطلب، لكنه لا يعالج جذور الصدمات التي تضرب جانب العرض.

ويشير بحث حديث صادر عن صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك المركزية تواجه معضلة حقيقية عند التعامل مع صدمات العرض: هل تتجاهل الأثر المؤقت لهذه الصدمات أم تشدد السياسة النقدية لمنع انفلات توقعات التضخم؟ ويحذر التقرير من أن التأخر في اتخاذ القرار قد يكون مكلفاً للغاية.

لماذا قد تكون المشكلة أكبر من أسعار الفائدة؟

يرى خبراء في بنك التسويات الدولية (BIS) أن العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها ضغوط العرض مقارنة بالعقود السابقة، بفعل عدة عوامل:

  • تراجع العولمة وارتفاع القيود التجارية.
  • التوترات الجيوسياسية وإعادة رسم سلاسل التوريد.
  • التحول إلى الطاقة النظيفة وما يرافقه من استثمارات ضخمة.
  • الشيخوخة السكانية ونقص العمالة في بعض الاقتصادات.
  • التأثيرات المناخية على الغذاء والطاقة.

هذه العوامل قد تجعل التضخم أكثر تقلباً وأكثر مقاومة للسياسات النقدية التقليدية مقارنة بما كان عليه خلال العقدين السابقين.

الخلاصة

رغم أن البنوك المركزية حققت تقدماً ملموساً في احتواء التضخم الناجم عن الطلب، فإن المعركة لم تُحسم بعد. فالتضخم الحالي بات يحمل مكونات هيكلية مرتبطة بالطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد، وهي عوامل لا يمكن لأسعار الفائدة وحدها معالجتها.

لذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت البنوك المركزية تتخذ الإجراءات الصحيحة، بل ما إذا كانت أدواتها التقليدية كافية للتعامل مع اقتصاد عالمي أصبحت فيه صدمات العرض أكثر تكراراً وتأثيراً.

وتشير أحدث تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية إلى أن السيطرة المستدامة على التضخم ستتطلب مزيجاً من السياسة النقدية والانضباط المالي والاستثمارات التي تعزز مرونة الاقتصاد وسلاسل التوريد، وليس الاعتماد على الفائدة وحدها.




Source link

ranzware

Add comment

Follow us

Don't be shy, get in touch. We love meeting interesting people and making new friends.