
ولم تعتمد اللجنة في نفيها على شهادات أطراف الواقعة أو روايات متعارضة، بل أعلنت أنها استمعت بصورة كاملة إلى التسجيلات الخاصة بغرفة تقنية حكم الفيديو المساعد “VAR“، قبل أن تحدد مضمون الحوار الذي دار بالفعل بين معروف وجمعة.
وبحسب بيان اللجنة، كان مدير الكرة بالأهلي يطالب الحكم باحتساب خطأ لمصلحة فريقه، بينما رد معروف بأن اللعبة لا تتضمن مخالفة، وأن حكم تقنية الفيديو راجعها بالفعل. وأكدت اللجنة أن التسجيلات لم تتضمن أي طلب من الحكم بإخراج علي محمود أو محاولة لحمايته من الطرد.
التسجيلات تنهي الرواية
بدأ الجدل بعد تداول رواية نسبت إلى محمد معروف إبلاغه وائل جمعة بضرورة استبدال اللاعب، خشية حصوله على بطاقة صفراء ثانية. وسرعان ما انتقلت الرواية إلى البرامج الرياضية ومواقع التواصل، قبل ظهور روايات مضادة تنفي حدوث الحوار بهذه الصيغة.
وأدى تضارب الروايات إلى مطالبة لجنة الحكام بالعودة إلى التسجيلات، باعتبارها الوسيلة القادرة على إثبات مضمون الحديث بعيدا عن الانطباعات أو الذاكرة الشخصية للأطراف.
وقالت اللجنة إنها عقدت اجتماعا لمناقشة الواقعة، واستمعت إلى التسجيلات الفعلية للمباراة. وأظهرت المراجعة أن الحديث اقتصر على اعتراض مسؤول الأهلي ومطالبته باحتساب مخالفة، ورد الحكم بأن اللعبة سليمة وخضعت لمراجعة تقنية الفيديو.
وبذلك لم تنف اللجنة وقوع تواصل بين معروف وجمعة، لكنها نفت المضمون الذي نُسب إلى هذا التواصل، وهو الفارق الذي حوّل التسجيلات من مجرد مادة فنية لمراجعة القرارات إلى دليل يحسم رواية أثارت جدلا إعلاميا واسعا.
التسجيل يبدأ قبل المباراة
ويشرح الحكم الدولي السابق ورئيس لجنة الحكام المصرية الأسبق، ياسر عبد الرؤوف، في حديثه إلى موقع “سكاي نيوز عربية”، أن تسجيل محادثات الحكام لا يبدأ مع صافرة انطلاق المباراة، وإنما منذ وجود الطاقم في غرفة الملابس.
ويقول عبد الرؤوف إن تشغيل التسجيل يبدأ عند اختبار أجهزة الاتصال والتأكد من سلامة التواصل بين حكم الساحة ومساعديه وغرفة تقنية الفيديو. ومن هذه اللحظة، تصبح المحادثات التي تجري عبر النظام جزءا من التسجيل الخاص بالمباراة.
ولا يستمر الجهاز في التسجيل بصورة متصلة طوال فترة الاستراحة بين الشوطين، إذ يتم فصل جهاز حكم الساحة عقب نهاية الشوط الأول، ثم يعاد تشغيله مع انطلاق الشوط الثاني.
أما الحكم الرابع، فتختلف طبيعة تسجيل اتصالاته، إذ يمتلك جهازه خاصية تتيح له التحكم في التواصل مع بقية الحكام. ويرتبط ذلك بطبيعة مهمته التي تفرض عليه الحديث مع المدربين والبدلاء ومسؤولي الفريقين وغيرهم من الموجودين خارج حدود الملعب.
ويهدف هذا النظام إلى منع انتقال جميع الأصوات المحيطة بالحكم الرابع إلى بقية الطاقم، بما قد يسبب تشويشا على الاتصالات المهمة أثناء اللعب.
من يحتفظ بالمحادثات؟
بحسب عبد الرؤوف، تتولى الشركة المشغلة لتقنية الفيديو تسجيل المباراة صوتا وصورة. وتشمل المادة المسجلة وقائع المباراة كاملة، إلى جانب محادثات حكم الساحة ومساعديه واتصالاتهم بحكام غرفة تقنية الفيديو.
كما توجد كاميرا داخل غرفة “VAR”، أو داخل سيارة البث المستخدمة لتشغيل التقنية، وفقا للنظام المتبع، لتوثيق عمل حكام الفيديو وطريقة تعاملهم مع الحالات التحكيمية.
وعقب نهاية الجولة، تسلم الشركة وحدة التخزين التي تحتوي على تسجيلات جميع المباريات إلى لجنة الحكام. وتستطيع اللجنة عندئذ العودة إلى أي مباراة أو واقعة، والاستماع إلى الحوار المرتبط بها، ومقارنته بصور اللقاء والتقارير التحكيمية.
وهذه الآلية هي التي أتاحت للجنة مراجعة محادثات مباراة الأهلي وزد، بدلا من الاكتفاء بسؤال الحكم أو مسؤولي الفريقين عما جرى.
ويشير عبد الرؤوف إلى أن الأندية قد تتمكن من الاستماع إلى محادثات تقنية الفيديو إذا كانت لوائح المسابقة تنص على هذا الحق، لكن التسجيلات تظل في الأساس مادة رسمية تخضع لإدارة الجهة المنظمة ولجنة الحكام.
هل حديث الحكم مخالفة؟
لا يعني مجرد تحدث الحكم مع مسؤول في أحد الفريقين وجود مخالفة، وفقا لعبد الرؤوف، الذي يؤكد أن حكم المباراة يمتلك صلاحية التواصل مع أفراد الأجهزة الفنية والإدارية وكل الموجودين في نطاق الملعب، ما دام الحديث مرتبطا بإدارة اللقاء ويجري في إطار القانون.
ويقول: “الحكم هو ملك الملعب، وفي كل الأحوال له الحق في التواصل مع أي فرد في الجهاز الفني أو في الملعب بشكل عام، في إطار القانون”.
وعليه، لا يتعلق التقييم بحدوث الحوار وحده، وإنما بمضمونه وسياقه. فقد يكون التواصل طبيعيا لشرح قرار أو تهدئة اعتراض، بينما يصبح محل مساءلة إذا تضمن توجيها غير مشروع أو محاولة لمنح فريق أو لاعب أفضلية لا تسمح بها قوانين اللعبة.
وفي واقعة الأهلي وزد، أثبتت المراجعة وجود حديث بشأن قرار تحكيمي، لكنها لم تثبت الرواية الأخطر المتعلقة بتنبيه الأهلي إلى استبدال لاعب مهدد بالطرد.
اختبار للشفافية
شددت لجنة الحكام على ضرورة التحقق من الوقائع قبل إصدار الأحكام أو تداول معلومات غير دقيقة، مؤكدة أنها تتعامل مع الملاحظات المتعلقة بالتحكيم وفق قواعد الشفافية والموضوعية.
كما أشادت بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استدعاء الممثل القانوني للقناة التي أثارت القضية إلى جلسة استماع، معتبرة أن الخطوة تستهدف ضبط المشهد الإعلامي والحفاظ على المعايير المهنية.
ولا تنتهي أهمية الواقعة عند تبرئة الحكم من الحديث المنسوب إليه. فقد أظهرت الأزمة أن المحادثات المسجلة تستطيع كشف ما يدور في المساحات التي لا تلتقطها كاميرات البث، وأن العودة إليها قد تصبح ضرورية كلما تحولت رواية غير موثقة إلى اتهام يمس نزاهة الحكام أو عدالة المنافسة.





Add comment