
تستعد العلاقات المصرية الصينية لدخول محطة جديدة؛ مع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر مساء الثلاثاء 1 سبتمبر، في زيارة تستمر حتى 3 سبتمبر، يلتقي خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ لبحث سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية ودفع التعاون المشترك بين البلدين.
وتأتي الزيارة بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، وفي وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية تطورًا لافتًا على أكثر من محور، بداية من التمويلات والقروض، مرورًا بالتعاون المصرفي ومبادلة العملات، وصولًا إلى التجارة والاستثمارات.
القروض والتمويل.. الصين شريك في مشروعات التنمية
لا تقتصر الشراكة الاقتصادية بين مصر والصين على الاستثمارات والتجارة؛ وإنما تمتد إلى التمويلات التنموية الميسرة التي ساهمت في دعم عدد من القطاعات والمشروعات داخل مصر.
ووفق بيانات “وزارة التعاون الدولي”، بلغت التمويلات التنموية الميسرة مع الجانب الصيني نحو 1.7 مليار دولار، وشملت مجالات من بينها النقل والزراعة والتعليم والبحث العلمي والاستثمار. كما دخل التعاون مرحلة جديدة من خلال اتفاقيات تمويل ميسرة لمشروعات البنية الأساسية.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك؛ اتفاق القرض الميسر بقيمة 200 مليون دولار مع بنك التصدير والاستيراد الصيني، لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان، على أن يتم سداد القرض باليوان الصيني. ووافق مجلس النواب على الاتفاق في مارس 2026، قبل التصديق عليه ونشره في الجريدة الرسمية.
وهنا تظهر أهمية التمويل الصيني بالنسبة لمصر، إذ لا يقتصر على توفير السيولة، وإنما يرتبط بمشروعات تستهدف تطوير البنية الأساسية والنقل والطاقة والتصنيع، بما يدعم خطط التنمية وتوطين الصناعة.
اليوان يدخل على خط الشراكة
ومن أهم التطورات المالية بين القاهرة وبكين خلال 2026، تجديد اتفاقية مبادلة العملات المحلية بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني لمدة 3 سنوات.
والأهم أن قيمة الاتفاقية ارتفعت إلى 30 مليار يوان صيني، مقارنة بـ18 مليار يوان في الاتفاقية السابقة.
وتستهدف اتفاقية المبادلة، توفير آلية للسيولة بالعملتين المحليتين، بما يساعد على تسوية جانب من المعاملات التجارية والاستثمارية بين البلدين بالجنيه المصري واليوان الصيني، ويدعم تنويع أدوات تسوية التجارة وتقليل الحاجة إلى العملات الأجنبية في بعض المعاملات، وبالتالي فإن الـ 30 مليار يوان ليست «قرضًا صينيًا لمصر» بالمعنى التقليدي، وإنما هي اتفاقية مبادلة عملات بين البنكين المركزيين، ويمكن النظر إليها كأداة لدعم السيولة والتجارة والتعاون المالي بين البلدين.
ماذا عن التجارة؟.. هنا تظهر الفجوة
رغم ضخامة حجم التجارة بين البلدين، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عند النظر إلى مكونات هذا التبادل، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار بنهاية 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بمعدل نمو يقارب 19.6%، لتصبح الصين أكبر شريك تجاري لمصر في السلع غير البترولية.
لكن الرقم الإجمالي لا يعكس وحده شكل العلاقة التجارية؛ إذ تكشف بيانات 2025 عن فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات؛ فقد بلغت الصادرات المصرية إلى الصين نحو 819 مليون دولار فقط، في حين وصلت الواردات المصرية من الصين إلى قرابة 19.9 مليار دولار. أي أن الواردات الصينية إلى السوق المصرية تفوق الصادرات المصرية إلى السوق الصينية بأكثر من 19 مليار دولار تقريبًا.
وتتنوع الصادرات المصرية إلى السوق الصينية بين الحاصلات الزراعية، والطاقة والوقود، وبعض المواد الخام والمنسوجات والثروات التعدينية، بينما تشمل الواردات المصرية من الصين الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، والهواتف ومعدات الاتصالات، ووسائل النقل وقطع الغيار، إلى جانب المنسوجات والمواد الكيميائية ومستلزمات الإنتاج.
وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا المطروحة على أجندة الشراكة الاقتصادية: كيف يتحول نمو التجارة من زيادة في حجم الواردات إلى نمو أكبر في الصادرات المصرية إلى السوق الصينية؟
فرصة جديدة أمام الصادرات المصرية
وهذا الملف يكتسب أهمية أكبر بعد بدء الصين تطبيق إعفاء جمركي كامل على واردات الدول الأفريقية المؤهلة اعتبارًا من مايو 2026، وهي خطوة يمكن أن تمنح المنتجات المصرية فرصة أكبر لدخول السوق الصينية بتكلفة أقل.
كما أن التحركات المصرية الأخيرة تركز على زيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتعميق التصنيع المحلي، والاستفادة من الاستثمارات الصينية في مصر ليس فقط لتلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما أيضًا لاستخدام مصر كقاعدة إنتاج وتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
وبالتالي، فإن التحدي بالنسبة لمصر لم يعد فقط جذب المزيد من الشركات والاستثمارات الصينية، وإنما زيادة المكون المحلي في الإنتاج، ورفع القدرة التصديرية، وتحويل جزء أكبر من الاستثمارات الصينية إلى قاعدة للتصنيع والتصدير.
الشراكة تتجاوز التجارة
وتكشف المؤشرات الأخيرة أن العلاقة الاقتصادية بين القاهرة وبكين أصبحت أوسع من مجرد حركة الواردات والصادرات؛ فهناك تمويلات تنموية، وقروض ميسرة، واستثمارات صناعية، ومشروعات بنية أساسية، وتعاون مصرفي، إلى جانب اتفاقية مبادلة العملات التي ارتفعت قيمتها إلى 30 مليار يوان.
كما تستحوذ المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على جانب مهم من التعاون، حيث تضم منطقة «تيدا» الصينية أكثر من 200 شركة ومشروعا، باستثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار وفق بيانات رسمية حديثة، وهو ما يعكس أهمية مصر بالنسبة للشركات الصينية باعتبارها نقطة اتصال بين الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
ماذا بعد زيارة شي جين بينج؟
من هنا تأتي أهمية الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر؛ فالقمة المصرية الصينية تأتي في توقيت تحاول فيه القاهرة تعظيم الاستفادة من الشراكة مع بكين، ليس فقط من خلال زيادة الاستثمارات والتمويلات، وإنما أيضًا من خلال إعادة تشكيل العلاقة التجارية بحيث ترتفع الصادرات المصرية وتقل الفجوة التجارية.
ومع وجود اتفاقية مبادلة عملات بقيمة 30 مليار يوان، وتمويلات تنموية ميسرة، وتوسع في الاستثمارات والمشروعات الصينية داخل مصر، تملك القاهرة أدوات متعددة لتعميق الشراكة.
ويعد هذا تحديدًا أحد أهم الملفات الاقتصادية التي تجعل زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة تتجاوز كونها زيارة سياسية، لتصبح محطة مهمة في مستقبل الشراكة الاقتصادية بين البلدين.





Add comment