رابط خفي بين الالتهاب المزمن والصحة العقلية.. كيف يؤثر جسمكِ في عقلكِ؟
#صحة
سارة سمير
اليوم
قد يبدو الالتهاب مشكلة جسدية بحتة، مرتبطة بالألم، أو التورم، أو الإصابة، لكن الصورة أكثر تعقيداً عندما يتحول الالتهاب إلى حالة مستمرة منخفضة الدرجة داخل الجسم؛ حيث لا يعمل الجهاز المناعي بمعزل عن الدماغ، والإشارات الكيميائية التي يطلقها أثناء الاستجابة الالتهابية قد تتداخل مع وظائف عصبية مرتبطة بالمزاج، والطاقة، والنوم، والتركيز.
-

رابط خفي بين الالتهاب المزمن والصحة العقلية.. كيف يؤثر جسمكِ في عقلكِ؟
ويُعرف الالتهاب، في الأساس، بأنه جزء طبيعي من دفاع الجسم؛ إذ يساعد الجهاز المناعي على التعامل مع العدوى، أو الإصابات، وبدء عملية التعافي، لكن المشكلة تظهر عندما يستمر تنشيط هذه الاستجابة لفترات طويلة من دون أن يعود الجسم إلى حالة التوازن، ويمكن للالتهاب المزمن أن يرتبط بمجموعة واسعة من العوامل والحالات، من بينها: بعض الأمراض المزمنة، والتدخين، والسمنة، واضطرابات النوم، والتعرض لبعض الملوثات، والعوامل البيئية.
عندما لا يبقى الالتهاب في مكانه:
أحد المفاهيم المهمة؛ للكشف عن العلاقة بين الجسم والعقل؛ أن الالتهاب لا يظل بالضرورة محصوراً في العضو الذي بدأ فيه. فعندما يستمر الجهاز المناعي في حالة نشاط، تفرز جزيئات إشارية تعرف باسم «السيتوكينات Cytokines»، وهي بروتينات تساعد الخلايا المناعية على التواصل، وتنظيم الاستجابة الالتهابية.
ومن بين السيتوكينات، التي تحظى باهتمام بحثي في هذا السياق: «الإنترلوكين-1»، و«الإنترلوكين-6»، إلى جانب مؤشرات التهابية أخرى، وتشير الأبحاث إلى أن بعض الذين يعانون الاكتئاب، أو اضطرابات نفسية أخرى، قد تظهر لديهم تغيرات في مؤشرات الالتهاب.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى الجسم، والدماغ؛ باعتبارهما منظومة مترابطة؛ فالتغيرات المناعية فد تؤثر في الطريقة، التي يعمل بها الدماغ. وفي المقابل، يمكن للضغط النفسي المزمن، واضطرابات النوم، وبعض السلوكيات المرتبطة بالحالة النفسية، أن تؤثر في تنظيم الجهاز المناعي، والالتهابي.
كيف يمكن للالتهاب أن يؤثر في الدماغ؟
يستطيع الدماغ الاستجابة للإشارات القادمة من الجهاز المناعي عبر مسارات متعددة، من بينها: إشارات عصبية، وهرمونية، ومناعية. وعندما تستمر الإشارات الالتهابية لفترة طويلة، قد تتأثر بعض العمليات، التي تساعد الدماغ على تنظيم المزاج، والطاقة، والانتباه، والاستجابة للضغط النفسي.
وأشارت أدلة بحثية إلى أن الالتهاب قد يتداخل مع أنظمة عصبية وبيولوجية مرتبطة بالاكتئاب، بالإضافة إلى إمكانية التأثير في عملية التواصل بين الخلايا العصبية، وفي الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع بعض النواقل، والمواد الكيميائية العصبية.
وتظهر التأثيرات المحتملة للالتهاب المزمن، على وظائف الدماغ، في صورة تعب، وصعوبة التركيز واضطرابات النوم، والتغيرات السلوكية، وتراجع الأداء المعرفي؛ لكن من المهم التعامل مع هذه الأعراض بحذر، لأنها أعراض غير نوعية، يمكن أن تنتج عن أسباب كثيرة.
-

رابط خفي بين الالتهاب المزمن والصحة العقلية.. كيف يؤثر جسمكِ في عقلكِ؟
هل يزيد الالتهاب احتمالية الاكتئاب؟
العلاقة بين الالتهاب والاكتئاب واحدة من أكثر النقاط، التي تدرسها الأبحاث حالياً، فقد وجدت مراجعات وتحليلات تجميعية ارتباطاً بين بعض مؤشرات الالتهاب، ووجود اضطرابات، مثل: الاكتئاب، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة. بينما يشير العلم إلى أن الالتهاب ليس هو «السبب الوحيد» للاكتئاب.
والاكتئاب اضطراب معقد، تتداخل فيه عوامل: وراثية، وبيولوجية، ونفسية، واجتماعية، وبيئية، بالإضافة إلى أن الالتهاب قد يكون في بعض الحالات نتيجة للمرض المزمن، أو التوتر المستمر، أو تغيرات نمط الحياة، وليس بالضرورة نقطة البداية.
وتدعم بعض الدراسات فكرة وجود علاقة ثنائية الاتجاه، أي أن الالتهاب قد يؤثر في الصحة النفسية، بينما يمكن للضغط النفسي المزمن، وبعض الاضطرابات النفسية، أن تسهم بدَوْرها في تغير تنظيم الاستجابة المناعية.
النوم.. حلقة أخرى بين الجسم والعقل:
النوم من أكثر العوامل، التي توضح مدى صعوبة الفصل بين الصحة الجسدية والعقلية؛ فقلة النوم ترتبط بتغيرات في تنظيم الاستجابة المناعية، فضلاً عن دورها في قلة المزاج، وعدم التركيز في اليوم التالي.
وفي الاتجاه الآخر، تجعل الأمراض الالتهابية، أو الألم المزمن، أو التوتر؛ النوم أكثر صعوبة. ومع تكرار هذه الدورة، قد يجد الجسم نفسه في حالة من الإجهاد المستمر، بينما يعاني العقل تراجع القدرة على التركيز، وتنظيم الانفعالات. لذلك، فإن تحسين جودة النوم جزء من الصورة الأوسع للصحة الجسدية، والنفسية.
كيف تحمين صحتكِ الجسدية والعقلية.. في الوقت نفسه؟
العناية بالالتهاب المزمن تبدأ بفهم السبب؛ فإذا كانت هناك أعراض مستمرة، أو مرض مزمن، فقد يكون الالتهاب مرتبطاً بحالة طبية تحتاج إلى تشخيص وعلاج محدد، ومحاولة تفسير كل عرض على أنه نتيجة للالتهاب قد تؤخر اكتشاف السبب الحقيقي.
أما على مستوى نمط الحياة، فيمكن التركيز على مجموعة من الأساسيات؛ منها: الحصول على نوم منتظم وكافٍ، وممارسة النشاط البدني بصورة مناسبة، وتناول نظام غذائي متنوع وغني بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبروتينات ومصادر الدهون الصحية، والابتعاد عن التدخين، والحفاظ على وزن صحي قدر الإمكان.
كما أن إدارة الضغط النفسي مهمة، ليس لأن التوتر «يصنع كل الأمراض»، وإنما لأن الضغط المزمن يتداخل مع النوم، والسلوك، والنشاط البدني، والشهية، وتنظيم الاستجابة المناعية، وبالتالي يصبح جزءاً من الحلقة، التي تربط الجسد بالعقل.
Source link







Add comment