121NEWS

«اكتئاب ما بعد الولادة» تفاعل معقد بين عوامل عدة


«اكتئاب ما بعد الولادة» تفاعل معقد بين عوامل عدة

#تنمية ذاتية

في مجتمع يحتفي بالأمومة؛ بوصفها من أجمل التجارب الإنسانية.. قد يبدو الاعتراف بالمشاعر السلبية، بعد الولادة، أمراً صعباً بالنسبة لكثيرات. فالأم، التي يفترض بها أن تكون سعيدة، قد تجد نفسها غارقة في الحزن والقلق والإرهاق، وتخشى البَوْح بما تشعر به؛ حتى لا تُساء قراءتها، أو يُشكك في قدرتها على رعاية طفلها. هذه المعاناة في «الطب النفسي» تُسمى «اكتئاب ما بعد الولادة»، وهذه الحالة لا تعني ضعف الشخصية، ولا تعكس فشلاً في الأمومة، بل هي اضطراب نفسي قابل للعلاج، ينتج عن تداخل عوامل: بيولوجية، ونفسية، واجتماعية. 

وفي ما يخص هذا الموضوع؛ التقينا الأخصائية النفسية الإكلينيكية، بشرى الزبيدي، التي وضحت أن أول خطوة؛ لفهم هذه الحالة، هي التفريق بينها وبين المشاعر الطبيعية، التي قد ترافق الولادة؛ فالحزن، والإرهاق، والقلق، قد تكون استجابة مؤقتة للتغيرات الكبيرة، التي تعيشها المرأة، لكنها غالباً تخف تدريجياً، ولا تمنعها من ممارسة حياتها اليومية.. تقول: «إذا استمرت الأعراض لأكثر من أسبوعين، وأثرت في قدرة المرأة على الاعتناء بنفسها، أو بطفلها؛ فهنا تصبح الحاجة إلى التقييم النفسي أمراً ضرورياً».

أكثر شيوعاً مما نعتقد

تضيف بشرى الزبيدي: أن أعراض «اكتئاب ما بعد الولادة» تبدأ، غالباً، خلال الأسابيع الأولى بعد الإنجاب، لكنها قد تظهر في أي وقت خلال السنة الأولى من عمر الطفل. ورغم أن هذا «الاكتئاب» يعد من أكثر الاضطرابات النفسية المرتبطة بالأمومة انتشاراً، إلا أن الواقع قد يكون أكبر من الإحصاءات؛ لأن أمهات كثيرات يخفين معاناتهن؛ خوفاً من الأحكام الاجتماعية، أو شعوراً بالذنب؛ فيتأخرن في طلب العلاج. 

عوامل عدة 

تشير الأخصائية النفسية الإكلينيكية إلى أنه لا يوجد سبب واحد يقف وراء «اكتئاب ما بعد الولادة»، فهو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل عدة.. تقول: «من الناحية البيولوجية، تشهد المرأة انخفاضاً حاداً في مستويات الهرمونات بعد الولادة، إلى جانب الإرهاق الجسدي، وقلة النوم. أما نفسياً، فتبدأ رحلة التكيف مع مسؤوليات الأمومة الجديدة، وما يصاحبها من قلق، وتوقعات مرتفعة، وضغوط داخلية».

وتتابع: «تلعب الظروف الاجتماعية دوراً لا يقل أهمية؛ فالمشكلات الزوجية، والضغوط المادية، وضعف الدعم الأسري، كلها عوامل قد تزيد هشاشة الحالة النفسية. كما أن وجود تاريخ شخصي، أو عائلي للاكتئاب، يجعل بعض النساء أكثر عرضة للإصابة». وتلفت بشرى الزبيدي إلى جانب يتم تجاهله غالباً، هو التحول العميق في هوية المرأة بعد الولادة؛ فالأمر لا يقتصر على إنجاب طفل، بل يشمل تغيراً في نظرتها إلى نفسها، وأولوياتها، وحتى علاقتها بجسدها، وهو تحول قد يحتاج إلى وقت ودعم؛ لتستوعبه نفسياً.. وتقول: «إن (اكتئاب ما بعد الولادة) ليس نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تفاعل عوامل: بيولوجية، ونفسية، واجتماعية، ووراثية».

  • «اكتئاب ما بعد الولادة» تفاعل معقد بين عوامل عدة
    «اكتئاب ما بعد الولادة» تفاعل معقد بين عوامل عدة

علامات لا يجب تجاهلها

توضح الأخصائية النفسية الإكلينيكية أن العلامات المبكرة قد تبدأ بحزن مستمر، أو نوبات بكاء متكررة، أو فقدان الاهتمام بالأشياء، التي كانت تمنح الأم السعادة سابقاً. كما يظهر الإرهاق النفسي الشديد، والانسحاب الاجتماعي، والقلق المبالغ فيه تجاه الطفل، إلى جانب جلد الذات، والشعور المستمر بأنها أم غير جيدة.. وتضيف: «في الحالات الأكثر شدة، قد تفقد المرأة الإحساس بالأمل أو المعنى، وهو مؤشر يستوجب تدخلاً نفسياً سريعاً، وليس الاكتفاء بعبارات التطمين التقليدية».

تأثر العلاقة الأولى

تشير بشرى الزبيدي إلى أن أكثر الجوانب حساسية، هو تأثير هذا «الاكتئاب» في العلاقة بين الأم وطفلها. فالإرهاق النفسي قد يجعل استجابة الأم لاحتياجات طفلها أبطأ، أو أقل تفاعلاً، وذلك ليس بسبب غياب الحب، وإنما لأن «اكتئاب ما بعد الولادة» يستنزف طاقتها النفسية، والعاطفية.. وتبين: «قد تشعر الأم بالذنب؛ لأنها لا تعيش صورة الأمومة المثالية، التي رسمتها في خيالها. بينما يؤكد المختصون أن العلاج المبكر لا يحسن حالة الأم فقط، بل يحمي أيضاً الرابط العاطفي المبكر بينها وبين طفلها».

رحلة التعافي

تؤكد الأخصائية النفسية الإكلينيكية أنه في الحالات الخفيفة والمتوسطة، يشكل العلاج النفسي الخيار الأول، خاصةً العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج الداعم، إضافة إلى تعزيز شبكة الدعم الأسري والاجتماعي. أما إذا كانت الأعراض شديدة، أو أثرت في قدرة الأم على أداء واجباتها اليومية؛ فقد يوصي الطبيب بالعلاج الدوائي، مع اختيار أدوية تتناسب مع الرضاعة الطبيعية عند الحاجة. وفي كثير من الأحيان، يحقق الجمع بين العلاج النفسي والدوائي أفضل النتائج.. وتبين: «تختلف مدة التعافي من امرأة إلى أخرى؛ فقد تتحسن بعض الأمهات خلال أسابيع، بينما تحتاج أخريات إلى أشهر عدة، خاصة مع استمرار الضغوط، أو وجود تاريخ سابق للاكتئاب. والأهم أن رحلة التعافي ليست خطاً مستقيماً، بل قد تتخللها فترات تحسن وتراجع قبل الوصول إلى الاستقرار».

الزوج.. خط الدفاع الأول

لا يقتصر دور الزوج على تقديم الدعم المعنوي، بل يمتد إلى المشاركة الفعلية في رعاية الطفل، وتقاسم المسؤوليات اليومية، وتأمين وقت كافٍ لراحة الأم، ونومها. وعن هذا، توضح بشرى الزبيدي أن وجود شريك متفهم، لا يقلل من مشاعر زوجته، ولا يطالبها بالتعافي السريع، يمثل أحد أهم عوامل الحماية النفسية، خلال هذه المرحلة الحساسة.

أخطاء تزيد الألم

من أكثر ما يؤذي الأم التقليل من معاناتها، بعبارات، مثل: «كل الأمهات يمررن بهذا!»، أو «سيزول الأمر وحده»؛ لأن مثل هذه العبارات تجعلها تشعر بأن ألمها غير مفهوم.. تقول الأخصائية النفسية الإكلينيكية: «كثرة النصائح، أو استعجال تحسنها، أو تفسير ما تمر به على أنه ضعف في الشخصية، قد تدفعها إلى مزيد من الانسحاب والصمت. بينما تحتاج إلى من يستمع إليها دون أحكام، ويقدم دعماً عملياً يخفف عنها أعباء الحياة اليومية».

الوقاية قبل الولادة

وتلفت بشرى الزبيدي: «لا يمكن منع (اكتئاب ما بعد الولادة)، بشكل كامل، لكن يمكن تقليل احتمالية حدوثه بالاستعداد النفسي خلال الحمل، وبناء توقعات واقعية للأمومة، والتخطيط المسبق لتوزيع المسؤوليات بعد الولادة، إضافة إلى الاهتمام بالنوم، وطلب المساعدة مبكراً عند الحاجة». 

لا تنتظري!

وتحذر الأخصائية النفسية الإكلينيكية، بشرى الزبيدي، من تأخير طلب المساعدة عند ظهور أفكار بإيذاء النفس، أو الطفل، أو حدوث اضطرابات في الإدراك، أو فقدان القدرة على القيام بالاحتياجات الأساسية، أو التدهور السريع في الحالة النفسية، لأنها مؤشرات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.. وتختم برسالة إلى كل أم تخشى الاعتراف بمعاناتها: «طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل وعي وشجاعة. وحين تشعر الأم بأنها غارقة لا يعني ذلك أنها غير قادرة على الأمومة، بل يعني أنها تتحمل أكثر مما يستطيع إنسان تحمله وحده، والبدء بالعلاج هو الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة».

متى تصبح المراجعة الطبية واجبةً؟

تجب مراجعة مختص نفسي فَوْراً، عند ظهور الحالات التالية:

• استمرار الأعراض لأكثر من أسبوعين.

• فقدان القدرة على رعاية النفس، أو الطفل.

• أفكار بإيذاء النفس، أو الطفل.

• اضطرابات في الإدراك، أو الانفصال عن الواقع.

• تدهور سريع أو أرق شديد ومستمر.


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

تطبيقنا

العربية بث مباشر

إعلان