121NEWS

فرقة العقارب وجاز السبعينات: حوار مطول مع الأستاذ سيف أبوبكر

حاوره: حسين سنا

من أم درمان إلى الكويت

هل يمكن أن نتعرف عليك بشكل أكبر أولاً؟ متى وُلدت؟ وما قصة مجيئك إلى الكويت عبر لبنان؟

أنا الآن في أواخر الستينيات من عمري، وُلدت في أم درمان، العاصمة الوطنية للسودان، وأهل أم درمان منذ صغرهم تتاح لهم مجالات كثيرة مثل الرياضة والفن والموسيقى والتعليم، كانت هناك أنشطة كثيرة، ونشأت في مجتمع تتوافر فيه كل هذه الأنشطة، بدأت بكرة القدم.

عندما كنت صغيرًا لعبت مع فرق الناشئين، وانضممت إلى أحد أكبر الفرق في السودان. كانت لدينا فرق الهلال، والمريخ، والموردة، والموردة هي المنطقة التي وُلدت فيها في أم درمان، كانت الحي الذي وُلدت فيه، وكان اسم المنطقة «الموردة»، ومنها جاء اسم فريق الموردة لكرة القدم، انضممت إلى فريق تحت 18 سنة، ولعبت أيضًا مع فرق أخرى، وكانت كرة القدم هوايتي الأولى، ولهذا كنت مهتمًا بها بشدة، كنت أطمح إلى أن أصبح لاعب كرة قدم محترفًا، ولهذا كنت معجبًا ببيليه إلى درجة كبيرة جدًا.

كانت لدينا دروس موسيقية في مرحلة مبكرة، عندما كنا في المدرسة المتوسطة، ثم انتقلنا إلى التعليم الثانوي، وبعد ذلك سافرت، عندما جئت أول مرة كان عمري يزيد على الثامنة عشرة ببضعة أشهر، وجئت إلى الكويت بالصدفة، كنت أستعد للسفر إلى ألمانيا وتوقفت في لبنان بعد طيراني على خطوط الشرق الأوسط اللبنانية، ثم انتقلت إلى سوريا، لكن أحد الأصدقاء قال لي: لماذا لا تذهب إلى الكويت سنة أو سنتين، ثم تنتقل إلى أوروبا؟ وهكذا جئت إلى الكويت، كان الأمر مصادفة ولم يكن ضمن خطتي، لكنه تحوّل بعد ذلك إلى حياة كاملة.

سيف الدين أبوبكر مع بيليه

في أي سنة كان ذلك؟

كان في أواخر السبعينيات، تقريباً عام 1978، ولحسن الحظ، كانت أول وظيفة مهمة وممتعة بالنسبة إليّ، فقد عملت في تدريس اللغة الإنجليزية في معهد الملاحة الجوية التابع للطيران المدني آنذاك، وحتى اليوم أعدّها من أفضل الوظائف التي عملت بها، وما زلت على تواصل مع بعض الزملاء الذين لا يزالون على قيد الحياة، أتذكر علي منصور، وقد تحدثت معه أمس، وأبو داود الذي توفي لاحقاً، وأحمد العوضي، بعضهم لا يزال حياً وبعضهم رحل، رحمهم الله

هل يمكنك أن تخبرني أكثر عن رحلتك إلى لبنان؟ لقد توقفت في سوريا أيضاً.

نعم، توقفت في سوريا، أتذكر أنني سافرت في ذلك الوقت على متن طيران الشرق الأوسط، ووصلت إلى لبنان، وفي الفندق تعرّفت إلى شاب وفتاة كانا يدرسان إدارة الفنادق داخل الفندق نفسه وأخبراني بوجود غيتار في الصالة، حملت الغيتار وعزفت، فقالا لي: أنت تعزف جيداً، وبدأنا نتحدث عن الموسيقى، وأخبراني بوجود فرقة ممتازة تُدعى I Notturni وقالا إنهما سيأخذانني لمقابلتها، أعتقد أنها جاءت إلى الكويت أيضاً فترةً من الزمن، ويمكن البحث عنها على الإنترنت واسمها يعني تقريباً «في جولة» أو «عائدون في جولة».

ذهبت إلى الفرقة، وكانت فرقة رائعة بالفعل، غنيت معهم وعزفت أغنيتين تقريباً، فقالوا لي: لماذا لا تبقى وتنضم إلينا ابتداءً من الغد؟ قضيت تلك الليلة معهم ثم انضممت إليهم، كنت أنوي البقاء في لبنان ثلاثة أيام، لكنني بقيت ثلاثين يوماً بسبب تلك الفرقة.

كانت تجربة رائعة، لكن كان عليّ أن أواصل الرحلة، لأن البقاء هناك لم يكن هدفي، انتقلت إلى سوريا، وهناك التقيت مصادفةً رجلاً في مقهى، قال لي إنه يعرف صديقاً يعمل في السفارة السودانية، واقترح أن أقابله، فذهبت إليه واتضح أن ذلك الرجل يعرف صديقاً لي كنت قد أحييت حفل زفافه في السودان وهو آدم الحاج، كان لاعباً في نادي القادسية، كان لاعباً رائعاً ومشهوراً جداً هنا، ثم قال لي:

لماذا تريد المغادرة؟ عليك أن تبقى هنا، وبعد ذلك ساعدني في الحصول على وظيفة في الطيران المدني، أجريت المقابلة وقُبلت معلماً، وأنا ممتن جداً لإدارة الطيران المدني، لأنها منحتني فرصة اتخاذ التدريس مهنةً لي، قالوا لي: اعمل معنا، وسنمنحك تذاكر سفر مجانية، عملت هناك نحو سنة، ثم انتقلت إلى المملكة المتحدة، وظلت إقامتي مرتبطة بعملي معهم في ذلك الوقت.

كنت أتنقل ذهاباً وإياباً حتى أكملت دراستي الجامعية الأولى، ثم عدت وعملت سنوات عدة، وبعد ذلك سافرت لدراسة الماجستير وحصلت عليه، هؤلاء الأشخاص لن أنساهم أبداً، العاملون في الطيران المدني.

فمهنتي الأساسية هي تدريس اللغة الإنجليزية، وكنت أيضاً مراقبا لاختبار «آيلتس»، ودرّست دورات «آيلتس» و«توفل»، إلى جانب اللغة الإنجليزية العامة، كما درّست في عدد من الجامعات والمدارس الثانوية والمدارس البريطانية في الكويت.

هل كانت هناك صلة بين هوايتك ومسيرتك المهنية في الموسيقى، وبين اختيارك اللغة الإنجليزية تخصصاً ومهنة؟

لم يكن هناك أي تعارض، عندما كنا في المدرسة المتوسطة كان هناك قسم للموسيقى، وكان لدينا مدرس من الجيش يعلّمنا النوتة الموسيقية والغيتار وغير ذلك، بدأت الموسيقى مبكراً كهواية، ولذلك لم تتعارض أبداً مع دراستي.

كانت اللغة الإنجليزية تخصصاً رئيسياً، والموسيقى بمثابة تخصص ثانٍ أيضاً، وعندما ذهبت إلى إنجلترا لاحقا لإكمال دراستي كانت هناك فرقة في جامعة أستون في برمنغهام، وكانت فرقة جاز ممتازة، لذلك واصلت العزف حتى أثناء دراستي ودراسة الماجستير، فقد

درست لاحقا في جامعة أستون في برمنغهام، وبدأت دراساتي العليا هناك. ثم عدت وتوقفت مدة، وبعد ذلك رجعت إلى بريطانيا وواصلت دراستي في شيفيلد، في جامعة شيفيلد هالام، حيث حصلت على الماجستير.

اللاعب السوداني في نادي القادسية الكويتي آدم الحاج الثاني وقوفا من اليسار

“الغرباء” والعقارب

لماذا اختاروا اسم «سكوربيونز» للفرقة الأصلية؟

سألت عامر نفسه السؤال ذاته. لماذا اخترت اسم «سكوربيونز»؟ فالعقارب قد تكون مؤذية للإنسان، مثل العقارب والثعابين وقد لا يكون من المناسب أن تصف شخصًا بأنه عقرب أو ثعبان، فقد يوحي الاسم بالشر أو العدوانية، فقال إن كثيرًا من الفرق العالمية في ذلك الوقت كانت تحمل أسماء حيوانات أو كائنات، مثل «ذا أنيمالز» و«ذا بيتلز»، وكان ذلك توجهًا شائعًا، كانت الفرق تختار أسماء مرتبطة بالحيوانات، ولهذا اختاروا اسم «سكوربيونز» مواكبة لأسماء مثل «ذا أنيمالز» و«ذا بيتلز».

وكيف بدأت علاقتك بفرقة العقارب، هل كنت في الكويت حينها؟

لا، كانت فرقة العقارب في السودان، وكان قائد الفرقة عامر ناصر المشهور بعامر ساكس (لإجادة عزفه على الساكسفون) أحد جيراننا، حيث يبعد منزله نحو خمسمئة متر فقط عن منزلنا في أم درمان، كان عامر ساكس بالنسبة إلينا مثل الأخ الأكبر، كنا من أشد المعجبين بفرقة العقارب، أينما عزفوا كنا نذهب لنرقص ونغني معهم أحياناً، كان عامر نجم المنطقة، ومن أفضل عازفي الساكسفون على الإطلاق، وبسببه قررت دخول عالم الموسيقى والعزف ضمن الفرق، انضممت إلى فرقة العقارب وكانت بدايتي معها، لكنني لم أبقَ طويلاً واضطررت إلى السفر، بعد ذلك واصلت الموسيقى في الخارج، وهنا في الكويت كانت لدينا أيضاً فرقة تُدعى «ذا سترينجرز» أو «الغرباء».

فرقة «ذا سترينجرز» جاءت لاحقاً، أليس كذلك؟ هل تتذكر في أي سنة نشأت الفرقة؟

جاءت لاحقاً، أيضاً في أواخر السبعينيات.

فرقة الغرباء (ذا سترينجرز) ويبدو سيف أبوبكر واقفا في الخلف

حسناً، لأنك وصلت عام 1978. أعتقد أنك قدمت حفل تلفزيون الكويت في 1978، أليس كذلك؟

لا، كان ذلك في بداية الثمانينيات، الحفل الذي عُرض على التلفزيون كان في الثمانينيات، «ذا سترينجرز» سبقت حفل تلفزيون الكويت، كانت فرقة محلية تضم أشخاصاً من جنسيات مختلفة، كان أحد المغنين صديقنا الراحل فريد ونلقبه فريدي، وقد غادر معظم أعضاء الفرقة لاحقاً إلى كندا أو الولايات المتحدة، فكان معنا أيضاً شخص اسمه مدحت وأظن أنه لا يزال هنا في الكويت، وكانت معنا فتاتان من إيطاليا تغنيان معنا، وعازف طبل drummer  من العراق وآخر من الهند فكنا من مختلف الجناسي ولكن الموسيقى لغة عالمية تربط الناس جميعاً.

وتربط الأجيال المختلفة أيضاً، ولهذا نحن هنا اليوم.

كنا نعزف في فنادق ونوادٍ كثيرة، كنا في النادي البحري «السي كلوب»، وكان ذلك موقعنا الأساسي، فضلا عن نادي الحبارى وأندية في الأحمدي وفنادق كثيرة، منها الشيراتون، وفي الواقع انضممت أيضاً إلى فرقة إيطالية كانت مرتبطة بعقد مع فندق الشيراتون، وعزفت معها سنة كاملة، كان المغني وقائد الفرقة فرانكو موتولا، وكانت تُعرف باسم «فرقة فرانكو موتولا»، عزفت معهم غيتار الباص مدة سنة في فندق الشيراتون، وكان ذلك في أواخر السبعينيات، عامي 1978 و1979 تقريباً، وكان لدي صديق يُدعى محمد خياط، وهو موسيقي معروف في الكويت، عزفنا معاً فترةً من الزمن، ونحن نسكن الآن معاً في منطقة الجابرية، وكان يجيد العزف على آلات مختلفة، وهو لبناني الأصل ويحمل الجنسية الكندية أيضاً، وقد عشنا معاً فترةً في كندا حين عشت هناك وحصلت على الجنسية الكندية.

سأتوقف عند أواخر السبعينيات لأنني أريد أن تتضح الصورة أكثر، يقول بعض الناس إن الثورة الإيرانية وحرب أفغانستان في الثمانينيات جعلتا المنطقة كلها، ومنها الكويت، أكثر تديناً، أصبحت الأجواء أكثر أصولية ومحافظة، وأُغلقت بعض النوادي وتراجعت الموسيقى.

 تقصد أكثر تشدداً وأكثر تطرفاً؟

 نعم. أريد أن أعرف المزيد عن تلك المرحلة، لأنك كنت جزءاً من المشهد الموسيقي.

نعم، كنا بالفعل جزءاً منه، كنا في ذلك الوقت نعزف محلياً في الكويت، لم تكن الفعاليات بصورة يومية، فُرضت قيود لفترة معينة على الفنادق وبعض الأنشطة، وأعتقد أنها كانت لأسباب أمنية ومن أجل سلامة الناس، وربما أثرت هذه القيود في النشاط الموسيقي آنذاك.

هل تتذكر طبيعة الإجراءات الأمنية؟ ما الذي كان ممنوعاً؟

كانت فرق كثيرة تأتي من الخارج، وقد فُرضت قيود على استقدامها، كانت تأتي فرق وفنانون عالميون مثل جيمس براون وسانتا إزميرالدا وبوني إم، وكانت هناك أنشطة كثيرة وحفلات عديدة في عطلات نهاية الأسبوع، كانت السبعينيات مختلفة، ولم تكن بحاجة إلى السفر إلى دبي في ذلك الوقت.

دبي بإمكانها أن تأتي إلى هنا

(يضحك)

ولهذا، حتى مع كل ما يحدث الآن في السودان، وهو أمر محزن جداً، فلا بأس لأن الأحوال لن تبقى كما هي، لا شيء يبقى على حاله، وكل شيء سيتغير، ولا شيء يدوم إلى الأبد، أريد أن ننتقل إلى المشهد الآخر: كيف كان السودان في السبعينيات، السودان الذي غادرته؟

 كانت هناك أنشطة كثيرة أيضاً، كانت الموسيقى مسموحة، لكن في بداية الثمانينيات فُرضت بعض القيود من الجيش خلال الحكم العسكري تحت جعفر النميري، عندما اتجه النظام نحو التشدد وغيّر القوانين واللوائح، قُيدت الأنشطة الموسيقية فترةً من الزمن، ولا سيما فرق الجاز.

 لماذا فرق الجاز بالتحديد؟

لأنهم كانوا يرونها موسيقى غربية وأميركية، لذلك توقفت فرق الجاز مدةً من الزمن، وبسبب ذلك انتقل كثير من الموسيقيين، ومن بينهم صديقنا الراحل العظيم عامر، إلى العزف مع الفرق القومية والمطربين السودانيين. وانضم إلى ما كان يُعرف باتحاد الفنانين السودانيين، كان لتلك القيود أثر قوي جداً في الموسيقى آنذاك، لكن النشاط عاد لاحقاً.

تلفزيون الكويت “جاز جاز جاز”

توجد قصة وراء مجيء الفرقة إلى الكويت!

نعم، بالطبع (يضحك)، في الواقع جاءت مرتين.

أريد أن أعرف قصة المرتين، أنا أعرف مرة واحدة فقط.

في المرة الأولى جاءت الفرقة بدعوة، وساعدنا في ذلك الشيخ محمد، رحمه الله، وكان صديقاً لنا.

محمد من؟

محمد الصباح… الشيخ محمد الحمود الصباح، كان شاباً مثلنا في ذلك الوقت، وكان يدرس في الجامعة، وقال: دعوهم يأتون، حصلنا بعد ذلك على دعوة من السفارة لإحياء فعاليات للجالية السودانية في الكويت، ثم تعاقدنا مع بعض الفنادق وقدمنا عدداً من الحفلات، وبقيت الفرقة تعزف في فنادق الكويت نحو سنة.

كانت تلك الزيارة الأولى، أما الزيارة الثانية فجاءت لاحقاً بدعوة من تلفزيون الكويت، كان لديهم برنامج مشهور يُعرض كل خميس، لكنني نسيت اسمه، طلب مني منتج البرنامج تقديم شيء مختلف، كنا نعزف أحياناً موسيقى خلفية بين فقرات البرنامج، فقال لي إنه لا يريد موسيقى خلفية فقط، بل يريد فرقة كاملة تقدم شيئاً أفريقياً. قلت له: إن كنت تريد شيئاً أفريقياً، فلماذا لا أحضر فرقتي من السودان ونقدم لك عرضاً؟ فقال إن الفكرة جيدة. حصلنا مرة أخرى على دعوة من السفارة، وأحيينا حفلات للجالية السودانية، ثم قدمنا العرض التلفزيوني الذي خرج منه الشريط المشهور على اليوتيوب الذي تحول إلى ألبوم لاحقا، كان ذلك في بداية الثمانينيات، أعتقد أنه كان عام 1980.

تسجيل تلفزيون الكويت

حسناً، وما الذي حدث بعد ذلك؟

بعد تقديم البرنامج، أخبرني مديره أنهم يريدون موسيقى أصلية من تأليفي أنا، وكان هناك منتج أسطوانات يعمل مع أحد الاستوديوهات، لكنني نسيت اسمه.

بوزيد فون؟

نعم، «بوزيد فون» قال إن العمل يجب أن يكون إنتاجي الخاص ومن تأليفي، فقلت: لا مشكلة، أحضرت الفرقة وتدرّبنا على جميع الأغاني، كان الألبوم كله من تأليفي باستثناء أغنية تراثية واحدة، وكان القانون يسمح باستخدام الأغاني التراثية التي لا توجد عليها حقوق نشر.

سجلنا نحو اثنتي عشرة أغنية من أعمالي، إلى جانب الأغنية التراثية، ثم قال المنتج إنه يريد توقيع العقد معي لأنني المؤلف والملحن، وذلك لإنتاج الألبوم، أخذ المواد وطبع الأسطوانة لدى شركة عالمية في اليونان كانت تنتج أسطوانات.

والإصدار الأول الذي أنتجه «بوزيد فون» كُتب عليه «جاز، جاز، جاز»، ولم تتم استشارتي في اختيار هذا الاسم، والشخص الذي اختار الاسم كان بوزيد فون نفسه، قال إنه يريد أن يسميه «جاز، جاز، جاز» وقد رأى أن هذا الاسم جذاب، فقلت: لا بأس، لا مشكلة.

في الحقيقة، لم أفكر في المشروع كتجارة؛ كنت أريد فقط توثيق الألبوم، ووافقت الفرقة على ذلك، وبعد مدة، سافرت إلى فرنسا لحضور دورات صيفية في اللغة الفرنسية تُسمى «دورات دراسية للطلبة الأجانب»، وفي الجامعة هناك رأيت نسخة من الأسطوانة مع أحد الأشخاص في الجامعة، سألته: من أين حصلت عليها؟ كان لون الغلاف مختلفاً عن النسخة التي أنتجتها، فقال إنه اشتراها من نيجيريا، قلت: من نيجيريا؟ كيف ذلك؟ هذا تسجيلي، لكن لون النسخة مختلف، بدا أن هناك انتهاكاً لحقوق النشر.

وفي عام 1982 في فرنسا، وخلال الدورة الصيفية كانت المدرسة تنظم برنامجاً كاملاً من الأنشطة الفنية والموسيقية والرياضية، ذهبت إلى ملهى موسيقي شهير في مدينة Aix-en-Provence بجنوب فرنسا. وهناك قال مقدم الحفل بالفرنسية: «سيداتي وسادتي، سنقدم لكم هذا المساء مفاجأة؛ يوجد بيننا موسيقي مميز وسنشغل أسطوانته». كانت في الألبوم مقدمة أو أغنية أسميتها «العروس الأفريقية»، بطابع أفريقي وشرق أفريقي كامل، وبأسلوب يُسمى «جالوا»، شغّلوا الأغنية، وشعرت بالدهشة والتأثر، لأن معظم الجمهور كان من الأفارقة وقد أحبوا الأغنية، كما كان التسجيل عالي الجودة، بدأ الناس يطلبون مني التوقيع على قمصانهم، وشغّلوا الأغنية ثلاث مرات في تلك الليلة.

ثم قالوا لي إنهم يرغبون في إنتاج المزيد وإصدار مجموعة أكبر من هذه الأسطوانات حتى يتمكنوا من بيعها وما إلى ذلك. لكنني لم أهتم بالأمر كثيرًا في الحقيقة، ثم عدت إلى الكويت

هل تندم على أنك لم تهتم بذلك؟ هل تشعر أنك كان ينبغي أن تفعل ذلك؟

لا، لأنني كما أخبرتك منذ البداية، لم تكن نيتي تجارية في ذلك الوقت.

رأيت غلافًا آخر، بل غلافين إضافيين. ربما أحدهما ليس ألبومًا، وإنما مجرد صورة.

نعم.  وهناك أيضًا الألبوم الأحمر. أما النسخة الحمراء، فأنا نفسي كنت أبحث عنها.أصبح الألبوم الأحمر الآن نادرًا جدًا، السبب هو أن «حبيبي فنك» شركة ألمانية. وهي متخصصة في إعادة اكتشاف الإنتاجات والألبومات القديمة وإعادة إصدارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتعريف الجيل الجديد بها قد أعادوا إنتاج الألبوم وإصداره، وهذا يفسر وجود غلافين مختلفين. الغلاف الأول، وهو الغلاف الأصلي، كان يضم الفرقة الأصلية التي سجلت معها.

فالغلاف الأحمر هو الأصلي، أما الغلاف الجديد فيضم التشكيلة الأولى لفرقة العقارب، فقد تبدل أعضاء الفرقة لأسباب مختلفة مع مرور الوقت.

زمن المشاهير في الكويت

كيف تمت استضافة مغني عالمي مثل جيمس براون في الكويت في ذروة شهرته وما علاقتك بذلك؟

كان هناك رجل يدعى حسين أبل هو من نظم كل ذلك، وكان قد استقدم بوني إم، وسانتا إزميرالدا، كما استقدم ديميس روسوس، كما جاءت فرقة تسمى أوديسي إلى هنا، لأن حسين الذي كان يستقدم هذه الفرق كلها كان يستشيرني بشأن من يستقدم لأنني موسيقي، ورشحت له فرقة أوديسي لأنني أعجبت بأغانيهم، لقد استقدم فنانين كثيرين والعديد من النجوم العالميين وكان يريد أيضًا أن يستقدم مايكل جاكسون في ذلك الوقت، ما حدث أن حسين أبل كان يعرفني من خلال الوسط الموسيقي وكنا صديقين، فقال لي إنه يريدني أن أساعد هذه الفرق،  لأنني أتحدث الإنجليزية والعربية، وأعرف إن كانوا يحتاجون إلى مساعدة تتعلق بمعداتهم أو بأي أمر آخر، فقال لي: أنت تعرف عن الموسيقى أكثر مني، لأنك موسيقي ولذلك تفهم احتياجاتهم أكثر مني وبإمكانك أن تخبرني بها.” وترك سيارة تحت تصرفي لنقلهم إلى الحفلات وما إلى ذلك، وهكذا أصبحت مسؤولًا عن العلاقات العامة والتنسيق مع الفرق.

أريد أن أعرف عن المغنين الآخرين الذين استقدمهم، لم أسمع أي قصص عنهم بخلاف القصة المشهورة مع جيمس براون، هل لديك مواقف أو قصص مع بوني إم أو ديميس روسوس؟ هل حدث شيء يذكر؟

بوني إم جاؤوا وهم في قمة شهرتهم، كانوا نجومًا مشاهير، وكان الجميع يعرف معظم أغانيهم، وكان الحضور هائلًا، كان عدد الناس خارج سينما الأندلس أكبر من عدد الموجودين داخلها، وكانت الفرق المحلية تعزف معظم تلك الأغنيات أيضًا.

بصراحة، كانت القصة الأكثر إثارة هي قصتي مع جيمس براون نفسه، أما بوني إم فكنت أصطحبهم إلى أماكن مختلفة، وكانت الصحافة تحيط بهم بكثافة، أما سانتا إزميرالدا فكان وجودهم لفترة قصيرة فقط، وديميس روسوس لم أرافقه كثيرًا، لم أخرج معه مرات عديدة لأنه كان لديه شخص آخر يساعده.

جاءت أوديسي، لكنها بقيت فترة قصيرة جدًا، لأن لديها حفلًا في الولايات المتحدة، فمكثت يومًا واحدًا فقط، وغادرت في اليوم التالي، لكن عرضهم كان ممتازًا فعلًا وكانت معهم فرقة رائعة وأخبروني بأنهم يريدون العودة إلى الكويت لأن زيارتهم كانت سريعة جدًا.

كيف كان شعورك في تلك الليلة؟ يبدو أنك كنت تحبهم أكثر من الآخرين؟

لا، كنت أحبهم جميعًا، لكن موسيقى أوديسي كانت رائعة في ذلك الوقت ويمكنك العودة إلى الإنترنت والاستماع إلى بعض أغنياتهم، ورشحت أيضًا فرقة أوسيبِسا في ذلك الوقت، وسأحكي لك قصة عن أوسيبِسا، كانت فرقة مشهورة جدًا ينحدر أعضاؤها من أفريقيا، وكانوا يريدون استقدامها إلى الكويت، وقد تم الاتفاق ونُشرت الأخبار فعلًا، وأُعلن أن أوسيبِسا ستأتي إلى الكويت، لكن توقف الأمر فجأة، لأن شخصًا ما، لا أعرفه، كتب في الصحف أن هذه الفرقة لا ينبغي أن تأتي إلى الكويت، لأنهم استخدموا الأذان كلحن موسيقي ولم يكن ذلك سببًا مقنعًا في الحقيقة، فهم لم يرتكبوا خطأ، كانوا مسلمين وكانوا يرددون بلحن كأنه موسيقى صوفية وبسبب ذلك أُلغي حضورهم بالكامل.

مع جيمس براون

والآن أريد أن ننتقل إلى جيمس براون، ذكرت في مقابلة سابقة أنه تفاجأ بأن الناس هنا يعرفون موسيقاه، ما الذي حدث بالتحديد؟

كما قلت لك، كلفني المنظم برعاية الفرق القادمة ومساعدتهم، ونقلهم من الفندق إلى الحفل، وكان الحفل يبدأ نحو الساعة الثامنة مساءً، لكن جيمس براون وفرقته كانوا يجرون بروفة قبل العرض، كانوا يصعدون إلى المسرح نحو الساعة الرابعة، ويتدرب قرابة ساعتين ثم يأخذ استراحة لمدة ساعتين أخريين، ويبدأ العرض في الثامن، وأحيانًا كان يأتي في السادسة ويتدرب قبل العرض،

وكان معه في ذلك الوقت عازفي غيتار باس كان أحدهما يدعى فريد وكان عازف الباس مع جيمس براون منذ فترة طويلة، وقد شارك في تسجيل معظم أغنياته، أما الآخر فكان شابًا بارعًا جدًا وكان يستخدم الأسلوب الذي يُعرف الآن بتقنية «السلاب» على غيتار الباس.

وفي ذلك اليوم، لسوء الحظ، كان فريد مريضًا ولم يستطع الذهاب إلى الحفل فبقي في الفندق، وحضر ذلك الشاب وحده إلى الحفل، فقد كان الاثنان يتقاسمان العزف؛ يعزف أحدهما بعض الأغنيات، ويتولى الآخر بقية الأغنيات.

كان الجمهور هنا يعرف كثيرًا من أغنيات جيمس براون، لأن فرقتنا المحلية كانت تعزفها، كنا نعزف عددًا كبيرًا من أعماله، فطلبت من جيمس براون أن يعزف «سوبر باد»، لأن الجمهور طلبها، وكان سانت كلير قائد الفرقة الموسيقية فقال: حسنًا، سنؤديها الآن.

وبدأ جيمس براون يشرح طريقة العزف للفرقة، لأن خط غيتار الباس في الأغنية كان مختلفًا، لكن العازف الشاب لم يكن قد سمع الأغنية من قبل، ولم يسبق له أن عزفها، فحاول جيمس براون أن يدندن اللحن بفمه، لكنه لم يتمكن من توصيله بالشكل المطلوب، وكان جيمس براون شديد الصرامة في عمله، وبدأ ينزعج قليلًا، فقلت له: سيد جيمس براون، أنا أعرف الأغنية وكنا نعزفها في حفلاتنا المحلية، فقال فورًا: حسنًا، اعزفها. فأخذت غيتار الباس، وبالنسبة إلي كانت كأي أغنية أخرى، كنت منبهرًا جدًا بالطبع، لكنني لم أشعر بالخوف، كان الأمر طبيعيًا لأنني كنت معتادًا على عزفها.

فقال جيمس براون: يا إلهي. لا أصدق الناس في هذا الجزء من العالم يعرفون أغنياتي، كان متحمسًا جدًا، وبعد ذلك قال: يا سيف، ستعزف هذه الأغنية الليلة، فقلت له: هناك أغنية أخرى أيضًا يطلبها الجمهور وهي «فيفر»، والعازف الشاب لم يكن يعرف «فيفر» أيضًا، ربما كان يعرف الأغنية، لكنه لم يسبق أن عزفها، وسألني إن كنت أعرفها، ثم قال: الليلة ستعزف هاتين الأغنيتين ضمن البرنامج، وهكذا وجدت نفسي أعزف معه، كان موقفًا عفويًا حدث مصادفة خلال تلك الفعالية.

وما حدث بعد ذلك أنه قال لسانت كلير على المسرح: دعه يأتي إلى أتلانتا، أراد أن يضمني إلى الفرقة، وفي اليوم التالي قال لهم أيضًا: اذهبوا مع سيف، واستمعوا إلى بعض موسيقى فرقته وما لديهم، فأخذت أعضاء الفرقة في جولة، وكان سانت كلير وبقية أعضاء الفرقة معي في الحافلة، فقال لي أحدهم: هل تعرف ماذا حدث؟ وهل تدرك حجم الأثر الذي أحدثه ما فعلته معنا بالأمس؟ الفرصة التي حصلت عليها نادرة جدًا، كنتَ محظوظًا لأن جيمس براون اختارك لتذهب إلى أتلانتا وتنضم إلى فرقته، وقال لي عازف الباس: يا سيف، إذا أردت الانضمام إلى فرقة جيمس براون، فعليك منذ الآن أن تشتري مضخم الصوت الخاص بك، وتتدرب ليلًا ونهارًا، وقال لي أيضًا إن إرضاء جيمس براون أمر صعب جدًا، وما فعلته كان أشبه بالمعجزة، كان موقفًا صعبًا علينا، لأن جيمس براون شديد الصرامة، والحمد لله أنك طلبت منا أداء أغنيات نعرفها، لأن بعض أعضاء الفرقة لا يعرفون جميع الأغنيات، فبعض الموسيقيين كانوا قد انضموا حديثًا.

 وفي اليوم التالي سألني: ما نوع الموسيقى التي لديكم؟ فقلت: سأسمعكم بعض الموسيقى الأفريقية التي كانت متداولة آنذاك، وأحضرت لهم أغنية عندما ذهبنا إلى «سي كلوب»، إلى غرفة البروفات الخاصة بفرقتنا، وجعلتهم يستمعون إليها، فقالوا: هذه الأغنية جميلة جدًا، سنأخذها معنا باعتبارها نموذجًا من الموسيقى التي حدثتنا عنها، وسنعرضها على جيمس براون، كانت الأغنية من الكاميرون لا أتذكر اسمها، وقد غناها فنان كفيف، كنت أعرف الأغنية لأنها كانت مسجلة على شريط، لكنني لم أكن أعرف اسمها، كنت أعرف فقط أن مغنيها كفيف، لأنني سجلتها من صديق لي من الكاميرون آنذاك.

وهكذا أخذوا الأغنية، وبعد ثلاثة أو أربعة أشهر تقريبًا، ظهرت أغنية مبنية على الأغنية نفسها التي أعطيتها لجيمس براون، كان الأسلوب مختلفًا، جيمس براون قدمها بكلمات أخرى، لكن اللحن والموسيقى كانا نفسيهما، أسلوب الباس فكان مختلفًا وبنى عليه أغنية، وبعد نحو عام، أظن أن المغني الأصلي عرف بالأمر، فرفع قضية على جيمس براون، لكنهما توصلا إلى تسوية مالية، وتلك قصة أخرى.

وأذكر تعليقًا قاله أحد أصدقائي عندما أخبرته أنني عزفت مع جيمس براون، قال لي: ينبغي أن تكون هذه ريشة على رأسك، أي وسام فخر، لأنها فرصة نادرة جدًا أن تعزف مع جيمس براون.

وهناك شيء نسيت أن أخبرك به، ذهبت إلى الولايات المتحدة لاحقا، وفي الوقت نفسه كانت هناك مغنية، رحمها الله، توفيت حديثًا، اسمها كريمة كافلي، وكان لديها عرض في واشنطن العاصمة، فسافرت بالطائرة من لوس أنجلوس إلى واشنطن لحضور ذلك العرض، ثم تذكرت أن عليّ الذهاب إلى أتلانتا، لكنني فكرت وقلت لنفسي: لدي وظيفة مستقرة في الكويت، وإذا خضت هذه المخاطرة، فلن أعرف ماذا سيحدث، وقررت ألا أفعل، ولهذا عدت إلى الكويت التي كانت الخيار الأكثر أمانًا، وبالنسبة إلي، كما قلت لك، لم أتعامل مع الموسيقى بوصفها مهنة، وما زلت أصف نفسي بالهاوي مع أنني أعزف بمستوى العازفين المحترفين، فإنني ما زلت أتعامل معها كهواية.

هل ما زلت تعزف؟

نعم، بالطبع، في العام الماضي، بل في الأسبوع الماضي، عزفنا هنا، لا يوجد حد عمري للموسيقى، فبي. بي. كينغ ظل يعزف وهو في أواخر الثمانينيات أو التسعينيات من عمره وهو أحد أعظم عازفي الغيتار في العالم.

الموسيقى والحقوق

وبخلاف قصة جيمس براون مع الفنان الكاميروني الكفيف فالعينات الموسيفية تستخدم بصورة قانونية اليوم، ويدفعون مقابل استخدام العينة، ولا يمكنهم أخذها من دون إذن، بالمناسبة، حدث شيء مشابه مع إحدى المقطوعات التي أنتجتها، فقد تواصل معي السيد يانيس مدير «حبيبي فنك» وهو رجل لطيف جدًا، أرسل إلي رسالة، وقال إنهم يريدون أخذ مقدمة موسيقية من إحدى أغنيات الألبوم، مدتها نحو دقيقة أو دقيقتين، كانوا يريدون استخدام هذا الجزء كموسيقى خلفية في فيلم وثائقي، يتناول أفريقيا وما إلى ذلك، فقلت: لا مشكلة، وبعد ذلك أرسلوا إليّ حوالي ألف دولار، مقابل نحو دقيقة واحدة فقط، تخيل، دقيقة واحدة! مقابل ألف دولار! لم أتخيل يومًا أن دقيقة واحدة من إنتاج موسيقي يمكن أن تجلب ألف دولار، وبالمناسبة، لم يكن المبلغ ألف دولار لي وحدي، هناك ألف دولار وربما ألفا دولار للمنتج أو للشركة المنتجة، فالمنتج يأخذ نصيبه دائمًا، لأنه هو من روّج للعمل ولولاه لما عرفت أصلًا بهذه الفرصة.

ذكرت أن إحدى أغنيات ألبوم «جاز» أغنية قديمة أو تراثية.

نعم، كانت أغنية «عزة»، اسم «عزة» كان يشير بصورة غير مباشرة إلى الوطن، أي إلى السودان، في أغنية «عزة في هواك» أو «حب عزة» وكان مؤلفها قد كتبها بوصفها أغنية وطنية خلال الحقبة الاستعمارية لكنه لم يكن يستطيع أن يقول «السودان» صراحة، وإلا تعرض للعقاب، وقد نُفي المغني من السودان بالفعل، لذلك استخدم اسم «عزة» للإشارة إلى الوطن، «عزة» اسم امرأة، لكنه استخدمه رمزًا غير مباشر للسودان

استكمال الدراسة والغزو العراقي للكويت

هل حدث تحول ما في أواخر الثمانينيات سواء في الفرقة أو في مسيرتك المهنية، بسبب انقطاعكم عن الأنشطة المحلية في تلك الفترة؟

في أواخر الثمانينيات سافرت إلى إنجلترا لمدة عام لدراسة الماجستير، أنجزت دبلوم الدراسات العليا المؤهل للماجستير ثم عدت، لأن إجازتي من العمل كانت من دون راتب، وكان عليّ العودة إلى عملي حتى أحصل لاحقًا على فرصة أخرى لإكمال الماجستير، وبعد شهر واحد فقط وقع الغزو العراقي للكويت فجأة واضطررنا بالطبع إلى المغادرة، وبقيت في الخارج خمس سنوات ونصف أخرى، عدت إلى السودان ومع أن ذلك كان بعد الحرب، فإنني استمتعت بتلك الإقامة، لأنني لم أكن قد عزفت كثيرًا عندما كنت في السودان، فمارست أنشطة مختلفة واستمتعت بفترة اقامتي هناك، والتحقت بجامعة الخرطوم محاضرًا لمدة عامين وثلاثة أشهر تقريبًا، ثم اضطررت إلى المغادرة، فجئت إلى السعودية، ومنها انتقلت إلى إثيوبيا، أقمت هناك قرابة عام وكنت أعزف كل ليلة تقريبا، كان ذلك في عام 1995.

وبسبب موقف الحكومة السودانية في أزمة الكويت والعراق، هل شعرت أن الأوضاع تغيرت بالنسبة إليك؟ وهل كان من السهل أن تعود إلى الكويت لاحقا؟

لم تكن العودة صعبة، لأنني كنت أحمل جنسية أخرى، لكنني قلت لنفسي: سأنتظر حتى تهدأ الأمور، ثم أعود، وكنت قد أقمت في كندا قبل ذلك، كنت كثير السفر حتى قبل حصولي على الجنسية الكندية، وزرت الولايات المتحدة للمرة الأولى عندما كان عمري تسعة عشر عامًا فقط، ثم ذهبت إلى كندا وإلى بلدان أوروبية عديدة، كما كنت أذهب إلى دورات صيفية في فرنسا وإنجلترا وبقية المملكة المتحدة، كانت دورات مهنية في التدريس، وقد أتاحت لي هذه الوظيفة السفر إلى دول كثيرة، وفي الولايات المتحدة كنت قريبًا جدًا من الحصول على الإقامة الدائمة، لكنني فضلت كندا، فقد رأيت أن كندا كانت أفضل بالنسبة إلي فأقمت هناك في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، لا أعرف السبب بالضبط، لكنني أحببت كندا أكثر، أما أحد إخوتي الأصغر سنًا فما زال يعيش في الولايات المتحدة، في واشنطن العاصمة، ومع ذلك أحببت بعض المناطق في أميركا أيضا كلوس أنجلوس، وواشنطن، ونيويورك، ونيوجيرسي، كما عزفت في الولايات المتحدة وفي كندا ضمن مهرجانات الجاز كمهرجان مونتريال الذي انتقل لاحقًا إلى تورونتو، وكان يُعد من أكبر الفعاليات في العالم، عزفت مع فرقتين، إحداهما من البرازيل والأخرى من أوغندا.

“حبيبي فنك” وإحياء الألبوم

فلننهِ المقابلة بالحديث عن «حبيبي فنك»، كيف تواصلوا معك؟

نعم. كان تعرّفي إلى «حبيبي فنك» مفاجأة كبيرة بالنسبة إلي، أثناء إحدى زياراتي، بينما كنت في الكويت، اتصل بي صديقي عامر رحمه الله وقال لي: يا سيف إن شخصًا من السفارة الألمانية تواصل معهم في السودان، وقال إنهم يريدون معرفة مؤلف ألبوم فرقة سكوربيونز، وكانوا يريدون الوصول إلى بعض أعضاء الفرقة وإبرام عقد معهم أو ما شابه وذلك للحصول على إذن بإعادة إصدار الألبوم ونشره عبر وسائل الإعلام، وقال أحدهم إنه يعرف سيدة هنا تُدرّس اللغة الألمانية، ومن خلال تواصلهم معها وصلوا إلى عامر، ثم أخبرني عامر أن هذه الشركة تريد التوقيع معي، فقلت له: لا مشكلة يا عامر؛ فأنا الآن في الكويت وأنت هناك، وفوضته بالتوقيع نيابة عني فيما يتعلق بألبومي، وهكذا تعرفنا إلى «حبيبي فنك».

في أي عام كان ذلك تقريبًا؟

كان في عام 2017 ولم يمض وقت طويل على ذلك، وهكذا أُعيد إصدار ألبومنا ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل ذلك لم أفكر قط في نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنذ ذلك الوقت أصبحنا على تواصل معهم، ثم جاء السيد يانيس من شركة حبيبي فنك إلى السودان، والتقينا به خلال إجازتي هناك، وهو رجل لطيف جدًا، وكان يريد أيضًا إنتاج عمل جديد، لكن الاضطرابات اندلعت فجأة في السودان، بدأت المظاهرات، ثم تدخل الجيش، وبعد ذلك جاءت جائحة كورونا، ولهذا شكّلت كل هذه الأحداث عقبات حالت دون تقديم عمل جديد، لكن في أواخر عام 2024، أُقيم عرض في إنجلترا في «لندن جاز كافيه»، وكان هناك عرض آخر قبله، لكنني لم أستطع حضور العرض الأول، فذهبت إلى العرض الثاني، الذي أقيم في بداية يناير من العام الماضي، ولم يتمكنوا بعد من التواصل مع جميع أعضاء سكوربيونز، كما توفي اثنان من الأعضاء تقريبًا، ولم تكن الفرقة متاحة، ولذلك تواصل مع فرقة أخرى اسمها أيضا فرقة العقارب مع اختلاف كتابة اسم الفرقة بالانجليزية قليلا، وكان في هذه الفرقة نحو عضوين من أصول سودانية ويحملان الجنسية البريطانية، فقلت: نعم، إنهما يعرفان الأسلوب الموسيقي، وقرآ النوتات، ثم تدربا وأجريا بروفات على الأغنيات، ثم سافرت إليهم، وأقمنا العرض، وكان عرضًا لا يُنسى، كان الحضور كبيرًا، وتلقيت استجابة رائعة من الجمهور، ولهذا قال إنهم سينظمون عرضًا آخر لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

(انتهت المقابلة)


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

تطبيقنا

العربية بث مباشر

إعلان