نظيرة الحارثي.. عُمانية حملت أحلامها إلى قمم العالم
#ملهمون
زهرة الخليج
اليوم
رحلت عن عالمنا متسلقة الجبال العُمانية، نظيرة الحارثي، إثر انهيار ثلجي ضرب بعثة دولية، خلال محاولة صعود قمة «برود بيك» في سلسلة جبال «كاراكورام» شمال باكستان، لتنتهي فوق أحد الجبال رحلة استثنائية بدأت بحلم شخصي، ثم تحولت إلى مصدر إلهام لنساء وفتيات كثيرات في سلطنة عُمان، وخارجها. وأكدت السلطات الباكستانية انتشال جثمانها إلى جانب اثنين من المتسلقين، بعد أن جرف الانهيار الفريق من على الجبل، البالغ ارتفاعه 8051 متراً، والمصنف في المرتبة الثانية عشرة بين أعلى قمم العالم.
غير أن سيرة الحارثي لا تُختصر في طريقة رحيلها، أو في عدد القمم التي بلغتها؛ فقد جمعت بين: العمل التربوي، والرياضة، والمغامرة، وحملت خلال مسيرتها صورة المرأة العُمانية، القادرة على اقتحام المجالات الصعبة، من دون أن تفقد ارتباطها بهويتها، ومجتمعها.
-

نظيرة الحارثي.. عُمانية حملت أحلامها إلى قمم العالم
حلم بدأ من لقاء:
لم تبدأ نظيرة الحارثي حياتها متسلقة محترفة، بل درست التربية، وحصلت على درجة الماجستير في الدراسات الجغرافية، وعملت بوزارة التربية والتعليم. وكان لقاؤها بالمتسلق العُماني الراحل، خالد السيابي، نقطة التحول الأبرز في حياتها، بعدما استمعت إلى تجربته في صعود جبل «إيفرست»، خلال إعداد مادة؛ لإدراجها في أحد الكتب المدرسية، فرأت في حكايته حلماً يمكن أن يصبح هدفاً شخصياً.
وبعدها بدأت مرحلة طويلة من التدريب، شملت: الجري، والسباحة، وتسلق جبال عُمان، والمشاركة في سباقات التحمل، رغم افتقارها، في البداية، إلى الخبرة الدولية في هذا المجال. ولم يكن الطريق خالياً من الإخفاقات؛ فقد روت، لاحقاً، أنها عادت باكية من بعض تدريباتها الأولى، لكنها أدركت أن تقبّل الفشل جزءٌ من الاستعداد للنجاح.
أول عُمانية فوق «إيفرست»:
في 23 مايو 2019، نجحت نظيرة الحارثي في بلوغ قمة جبل «إيفرست»؛ لتصبح أول عُمانية تصل إلى أعلى قمة في العالم، وثاني عُماني يصل إليها. وسبقت الوصول إقامة شاقة في «مخيم إيفرست» استمرت أسابيع، وخضعت خلالها للتدريب، والتأقلم مع انخفاض الأكسجين، والضغط الجوي، والطقس القاسي.
ولم تنظر الحارثي إلى الإنجاز باعتباره انتصاراً شخصياً فقط، بل وصفته بأنه إنجازٌ وطني. وحملت ذكرى خالد السيابي معها إلى القمم اللاحقة، وفاءً للشخص الذي شجعها منذ البداية، وأقنعها بأن بلوغ الحلم ممكن.
من «إيفرست».. إلى أخطر قمم العالم:
لم تكن «إيفرست» نهاية رحلتها، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات؛ فقد أصبحت أول امرأة عربية وعُمانية تصل إلى قمة «آما دابلام» في نيبال، ويبلغ ارتفاعها نحو 6812 متراً، وصعدت «ماناسلو»، ثامن أعلى جبل في العالم.
وامتدت مغامراتها، لاحقاً، إلى قمة «كي 2»، ثاني أعلى جبل في العالم، وإحدى أخطر القمم، ثم إلى: «غاشربروم 2»، و«نانغا باربات»، المعروف باسم «الجبل القاتل». وقد منحتها هذه الرحلات مكانة بارزة بين متسلقات الجبال العربيات، لكنها كانت تؤكد أن الصور الملتقطة فوق القمم لا تكشف ما يسبقها من خوف، وتعب، وعزلة، وتضحيات، ومواجهة دائمة مع المخاطر.
وكانت ترى أن تسلق الجبال لا يقتصر على اختبار القوة الجسدية، بل يساعد الإنسان على اكتشاف نفسه، وحدود تحمله. كما ربطت رحلاتها بالتعريف بطبيعة سلطنة عُمان، وجبالها، وأوديتها، وتشجيع الشباب على ممارسة المغامرات، والأنشطة الخارجية بوعي، واستعداد.
-

نظيرة الحارثي.. عُمانية حملت أحلامها إلى قمم العالم
قيادية تربوية:
وبعيداً عن القمم، حافظت نظيرة الحارثي على حضور فاعل في المجال التربوي؛ فقد تولت بعد إعادة هيكلة وزارة التعليم في يناير 2026، منصب المديرة العامة المساعدة للأنشطة التربوية، بعدما أدت أدواراً في الرياضة المدرسية، والكشافة، والمرشدات، والأنشطة الثقافية، والاجتماعية والعلمية. كما أسهمت في تشجيع الطلبة على خوض التجارب، وتنمية مهاراتهم، والتعرف إلى الطبيعة، والأنشطة الجبلية.
ووصفتها ريا بنت عامر الجابري، مديرة «دائرة الأنشطة الثقافية والاجتماعية والعلمية» بوزارة التعليم في عمان، بأنها لم تكن مجرد متسلقة جبال، بل تربوية وقيادية حملت رسالة وطنية وإنسانية. وقالت إنها عُرفت بابتسامتها، وتواضعها، وتعاونها، وإن وصولها إلى المحافل الدولية لم يغير طريقة تعاملها مع مَنْ حولها.
رسائل تجاوزت الإنجاز الرياضي:
حملت الحارثي، في رحلاتها، رسائل وطنية وإنسانية، وحرصت على الظهور بهويتها العُمانية، والاعتزاز بجذورها في ولاية القابل بمحافظة شمال الشرقية. كما عبّرت، في عدد من مشاركاتها، عن تضامنها مع فلسطين، من خلال حمل العلم الفلسطيني، وارتداء الكوفية الفسلطينية، انطلاقاً من رؤيتها للرياضة؛ بوصفها وسيلة للتقارب، والسلام، وليست مجرد بحث عن الأرقام.
وكانت الحارثي تشجع النساء، والفتيات، على امتلاك الطموح، وعدم التراجع أمام الصعوبات، مستندة إلى تجربتها التي بدأت من دون خبرة سابقة، ثم قادتها إلى بعض أعلى قمم الأرض. وقد اختصرت فلسفتها في رسالة، قالت فيها: «إن لكل إنسان (إيفرست) خاصاً به، وإن اختلاف الأحلام لا يمنعها من أن تصبح حقيقة؛ ما دام أصحابها يواصلون الإيمان والعمل».
رحلت نظيرة الحارثي على القمة، التي اختارتها ميداناً لشغفها، لكن إرثها بقي أبعد من الجبال. فقد أثبتت أن البداية المتأخرة لا تمنع الوصول، وأن الإنجاز لا يُقاس بارتفاع القمة وحده، بل بالشجاعة التي يحتاجها الإنسان؛ لاتخاذ الخطوة الأولى، وبالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.
Source link







Add comment