
لأعوام طويلة.. بدا السويسري جياني إنفانتينو الرجل الأقوى في عالم كرة القدم بعدما نجح في توسيع نفوذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وأطلق بطولات جديدة وعزز موارده المالية وبنى شبكة واسعة من التحالفات داخل الاتحادات القارية والوطنية.
لكن المشهد الذي بدا مستقرًا لسنوات بدأ يتغير بصورة غير مسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة بعدما تحولت خلافات كانت تُناقش خلف الأبواب المغلقة إلى مواجهة علنية يقودها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) في أزمة يراها كثيرون الأخطر منذ تولي إنفانتينو رئاسة الاتحاد الدولي عام 2016.
وبات السؤال الذي يفرض نفسه داخل أروقة كرة القدم العالمية: هل يواجه رئيس “فيفا” أخطر اختبار سياسي في مسيرته؟ وهل بدأت بالفعل ملامح معركة خلافته قبل أشهر من فتح باب الترشح للانتخابات المقبلة؟
أزمة كشفت حجم الانقسام
بداية الأزمة جاءت مع تسريبات إعلامية تحدثت عن مشروع داخل “فيفا” يقضي بإعادة هيكلة الحقوق التجارية للاتحاد الدولي عبر بيع جزء من أنشطته الاستثمارية لصالح صندوق استثماري خاص.
ورغم أن الاتحاد الدولي لم يؤكد تفاصيل المشروع في البداية فإن طريقة إدارة الملف أثارت اعتراضات واسعة بعدما اشتكت عدة اتحادات قارية من عدم اطلاعها على تفاصيل الخطة قبل مطالبتها باتخاذ موقف سريع بشأنها.
وتحولت القضية خلال ساعات إلى واحدة من أكبر الأزمات الإدارية داخل الاتحاد الدولي خاصة بعد رفض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم للمقترح بصورة قاطعة ولوّح بإجراءات تصعيدية غير مسبوقة تضمنت إمكانية مقاطعة بطولات “فيفا” إذا استمر المشروع.
تراجع سريع.. لكن الأزمة لم تنته
أمام اتساع دائرة الرفض اضطر الاتحاد الدولي إلى التراجع عن المشروع معلنًا رسميًا وقف العمل به وجاء في بيان “فيفا” أن المقترح لم يعد يحقق الهدف الذي طُرح من أجله بعدما تسبب في حالة من الانقسام بين أعضاء المؤسسة.
ورغم التراجع فإن الأزمة لم تتوقف عند حدود المشروع نفسه بل فتحت الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بطريقة اتخاذ القرار داخل الاتحاد الدولي وحجم الشفافية في إدارة واحدة من أكبر المؤسسات الرياضية في العالم.
يويفا يرفع سقف المواجهة
الأزمة الحالية تختلف عن خلافات سابقة جمعت إنفانتينو بالاتحاد الأوروبي ففي المرات الماضية كانت الانتقادات تتركز حول روزنامة المباريات أو تطوير البطولات أما هذه المرة فقد تجاوزت الخلافات الجانب الرياضي إلى التشكيك في أسلوب إدارة المؤسسة نفسها.
وأكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أنه فقد ثقته في طريقة إدارة الاتحاد الدولي مشددًا على ضرورة مراجعة منظومة الحوكمة داخل “فيفا” ووقف ما وصفه بالقرارات التي تُتخذ بعيدًا عن الشفافية والمناقشات المؤسسية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس تصعيدًا غير مسبوق خاصة أن “يويفا” ظل طوال السنوات الماضية أحد أهم مراكز القوة داخل كرة القدم العالمية.
علاقة إنفانتينو بالسياسة تعود إلى الواجهة
ولم تكن الأزمة الإدارية وحدها سببًا في تصاعد الضغوط على رئيس “فيفا” فخلال الأشهر الأخيرة تعرض إنفانتينو لانتقادات بسبب طبيعة علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خاصة بعد ظهورهما معًا في أكثر من مناسبة وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الرياضية.
كما زادت الانتقادات عقب تقارير تحدثت عن تدخلات سياسية في بعض الملفات المرتبطة بكرة القدم وهو ما دفع معارضيه إلى المطالبة بضرورة الحفاظ على استقلالية الاتحاد الدولي بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية.
ورغم أن “فيفا” ينفي باستمرار وجود أي تأثير خارجي على قراراته فإن الجدل لا يزال مستمرًا.
انتخابات تقترب.. والكرسي لم يعد مضمونًا
تتجه الأنظار الآن إلى انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي المقررة في مارس المقبل والتي ستحدد مستقبل قيادة كرة القدم العالمية خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن إنفانتينو لا يزال المرشح الأبرز بفضل شبكة العلاقات التي بناها داخل الاتحادات الوطنية فإن الأزمة الأخيرة فتحت الباب أمام الحديث عن ضرورة ظهور منافس قادر على تقديم مشروع إصلاحي يعيد التوازن داخل المؤسسة.
ويبدأ باب الترشح رسميًا في نوفمبر المقبل وسط ترقب واسع لما إذا كانت شخصيات بارزة ستقرر دخول السباق.
أسماء مطروحة لخلافة إنفانتينو
ورغم إعلان ناصر الخليفي رئيس باريس سان جيرمان وعضو مجلس “فيفا” عدم نيته خوض الانتخابات فإن عدة أسماء بدأت تتردد داخل الأوساط الرياضية.
ومن أبرزها فيكتور مونتالياني رئيس اتحاد الكونكاكاف والشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم إلى جانب ليز كلافينيس رئيسة الاتحاد النرويجي التي اشتهرت بمواقفها المنتقدة لإدارة الاتحاد الدولي.
كما يبقى اسم ألكسندر تشيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم حاضرًا في التكهنات رغم إعلانه في وقت سابق عدم رغبته في خوض أي انتخابات جديدة داخل “يويفا”.
هل يملك يويفا الأرضية الأخلاقية؟
ورغم تصدره المشهد المعارض لإنفانتينو فإن الاتحاد الأوروبي لا يخلو بدوره من الانتقادات فأزمات نهائي دوري أبطال أوروبا في باريس عام 2022 وما صاحبها من إخفاقات تنظيمية وأمنية لا تزال حاضرة في ذاكرة جماهير الكرة الأوروبية.
وأثبت التحقيق المستقل الذي أجراه “يويفا” لاحقًا أن سوء التنظيم وليس الجماهير كان السبب الرئيسي في الفوضى التي شهدها النهائي ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى الاعتذار رسميًا وتعويض جماهير ليفربول.
لذلك يرى كثيرون أن الصراع الحالي لا يتعلق بوجود طرف مثالي وآخر مخطئ بقدر ما يعكس صراعًا على شكل الإدارة المستقبلية لكرة القدم العالمية.
هل انتهت حقبة الرجل الأقوى؟
ورغم العاصفة الحالية لا يزال من المبكر الحديث عن نهاية إنفانتينو فالسويسري سبق أن واجه أزمات عديدة خلال سنوات رئاسته ونجح في تجاوزها بفضل التحالفات التي بناها داخل الجمعية العمومية لـ”فيفا” والتي تضم أكثر من 200 اتحاد وطني.
لكن الأزمة الأخيرة تختلف عن سابقاتها لأنها كشفت للمرة الأولى وجود شرخ واضح بين قيادة الاتحاد الدولي وعدد من أكبر القوى الكروية في العالم.
ومع اقتراب موعد الانتخابات يبدو أن كرة القدم العالمية تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسة الأكثر تأثيرًا في اللعبة.





Add comment