صدر الصورة، Getty Images
Published
مدة القراءة: 7 دقائق
في صحراء موهافي بكاليفورنيا، حيث تُختبر بعض أكثر الطائرات العسكرية الأمريكية تقدماً وسِرية، وقع حادث أمس أعاد إلى الواجهة واحدة من أشهر القاذفات في التاريخ الحديث: (بي-52).
فالطائرة التي تحطمت بعد وقت قصير من إقلاعها من قاعدة إدواردز الجوية لم تكن مجرد طائرة عسكرية في مهمة تدريب أو اختبار. إنما هي قاذفة استراتيجية ارتبط اسمها بالحرب الباردة، وبالردع النووي، والحروب الأمريكية الكبرى من فيتنام إلى العراق وأفغانستان.
نتحدث عن طائرة صُممت قبل أكثر من سبعين عاماً، لكنها لا تزال حتى اليوم جزءاً من القوة الجوية الأمريكية.
وبحسب المعلومات المتوفرة، كانت القاذفة في مهمة اختبار عندما سقطت بعد وقت قصير من إقلاعها، وعلى متنها ثمانية أشخاص. ولا يزال سبب التحطم قيد التحقيق، وسط مؤشرات أولية على أن الحادث لم يكن يمكن النجاة منه.

ماذا نعرف عن حادث التحطم؟
وقع الحادث صباح الاثنين 15 يونيو/حزيران 2026، داخل نطاق قاعدة إدواردز الجوية في صحراء موهافي بجنوب كاليفورنيا، بعد وقت قصير من إقلاع قاذفة من طراز “بي-52” في مهمة اختبار روتينية.
وبحسب قاعدة إدواردز، كانت الطائرة تُقلّ ثمانية أشخاص، فيما قالت المؤشرات الأولية إن الحادث لم يكن ممكن النجاة منه.
لم تكن الطائرة في مهمة قتالية، بل في رحلة اختبار مرتبطة ببرنامج تحديث الرادار، وفق ما نقلت وكالة رويترز للأنباء عن مسؤولين أمريكيين.
فالطائرة التي صُمّمت في خمسينيات القرن الماضي لا تزال تخضع لتحديثات من أجل إبقائها في الخدمة، ومن بينها تحديثات لأنظمة الرادار والملاحة والتسليح.
وحتى الآن، لم تكشف القوات الجوية الأمريكية عن سبب التحطم؛ لذلك لا يمكن الجزم بما إذا كان الحادث مرتبطاً بخلل فني، أو بمرحلة الإقلاع، أو بطبيعة الاختبار نفسه، أو بسلسلة عوامل تداخلت في لحظات حرجة.
لكنْ الأمر المؤكد هو أن التحقيق بدأ، وأن نتائج مثل هذه الحوادث العسكرية قد تستغرق وقتاً قبل أن تكشف الصورة الكاملة.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الطائرة سقطت بعد إقلاعها مباشرة، ما تسبب في حريق كبير ودخان أسود شوهد من مسافة بعيدة، كما علّقت القاعدة بعض عملياتها بسبب أضرار في المدرج.
وذكرت رويترز أن من بين من كانوا على متن الطائرة أفراداً من سلاح الجو ومدنيين حكوميين ومتعاقدين، بينهم موظفان من شركة بوينغ.
ما تاريخ الطائرة بي-52؟
صُنعت قاذفة بي-52 في خمسينيات القرن الماضي، في ذروة سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وكان الهدف منها هو امتلاك طائرة قادرة على التحليق لمسافات بعيدة جداً، وعلى حمْل كميات هائلة من القنابل، بما في ذلك الأسلحة النووية، والوصول إلى أهداف بعيدة في عمق أراضي الأعداء.
ودخلت الطائرة الخدمة رسمياً عام 1955، ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً أساسياً من صورة القوة الأمريكية في الجو نظراً لقوّتها وقدرتها على البقاء في الجو لفترات طويلة، وقدرتها على حمْل أكبر قدر ممكن من الذخائر إلى مسافات استراتيجية.
اسمها الكامل هو (Stratofortress)، أي “القلعة الاستراتيجية”، وهو يعكس الدور الذي صُممت من أجله كقاذفة ضخمة، بعيدة المدى، قادرة على تنفيذ مهام ردع نووي أو ضربات تقليدية واسعة النطاق.
وبفضل حجمها الكبير وأجنحتها الطويلة ومحركاتها الثمانية، أصبحت بي-52 واحدة من أكثر الطائرات العسكرية تميزاً في الشكل والصوت والحضور.
وخلال الحرب الباردة، كانت بي-52 جزءاً من منظومة الردع النووي الأمريكية، في وقت كان العالم يترقب احتمال مواجهة مباشرة بين واشنطن وموسكو. لكنها لم تبقَ حبيسة هذا الدور النووي.
إذْ تحوّلت لاحقاً إلى أداة رئيسية في الحروب التقليدية، من حرب فيتنام التي شاركت فيها بكثافة منذ ستينيات القرن الماضي، إلى حرب الخليج عام 1991، ثم حرب أفغانستان بعد 2001 وغزو العراق عام 2003، وصولاً إلى عمليات أحدث ضد تنظيم ما يُعرف بـالدولة الإسلامية في سوريا والعراق منذ عام 2014.
لماذا بقيت بي-52 في الخدمة حتى اليوم؟
صدر الصورة، Getty Images
احتفظت الولايات المتحده بها بسبب قابليتها المستمرة للتحديث؛ فالقاذفة بي-52 بُنيت كمنصّة ضخمة وبعيدة المدى، قادرة على حمل كميات كبيرة من الذخائر والطيران لمسافات طويلة.
ومع مرور العقود، لم تحتج الولايات المتحدة إلى تغيير هيكلها بالكامل بقدر ما احتاجت إلى تحديث ما بداخلها من أنظمة الملاحة، والاتصالات، والرادارات، وأجهزة الحرب الإلكترونية، وغير ذلك من أنواع الأسلحة التي تستطيع حملها.
وبدلاً من أن تكون مجرد قاذفة تُلقي قنابلها فوق الهدف مباشرة، أصبحت بي-52 قادرة على إطلاق صواريخ وقنابل موجهة من مسافات بعيدة، ما يسمح لها بتنفيذ ضربات دون الاضطرار إلى الاقتراب من مناطق الدفاعات الجوية الخطرة.
كما أن حجمها الكبير، الذي قد يبدو نقطة ضعف في عصر الطائرات الشبحية، يمنحها ميزة أخرى وهي القدرة على حمل ترسانة واسعة من الأسلحة في مهمة واحدة.
لذلك لا تنظر إليها واشنطن كطائرة قديمة فقط، بل كمنصة قابلة للتطوير، يمكن تزويدها بتكنولوجيا أحدث كلما تغيّرت طبيعة الحروب.
ولهذا بقيت بي-52 حاضرة رغم ظهور قاذفات أكثر تقدماً مثل بي-1 وبي-2، ورغم استعداد الولايات المتحدة لإدخال قاذفات أحدث إلى الخدمة.
قدراتها العسكرية؟
تظهر أهمية بي-52 أكثر عند النظر إلى قدراتها بالأرقام؛ فهذه القاذفة الضخمة تستطيع التحليق لمسافات عابرة للقارات – ويصل مداها إلى آلاف الأميال دون الحاجة إلى التزوّد بالوقود جواً، مع إمكانية تمديد هذا المدى عبر طائرات التزود بالوقود.
وتعمل بي-52 بثمانية محركات، وهو ما يمنحها القدرة على حمل حمولة كبيرة جدًا من الذخائر، تصل إلى نحو 70 ألف رطل، أي أكثر من 31 طناً من القنابل والصواريخ.
ويمكنها حمل أسلحة تقليدية موجهة، مثل القنابل الذكية والصواريخ بعيدة المدى، كما صُممت لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية ضمن منظومة الردع الأمريكية.
أما طاقمها، فيتكوّن عادة من خمسة أفراد، بينهم الطيار ومساعده وضباط مسؤولون عن الملاحة وأنظمة الأسلحة والحرب الإلكترونية.
ورغم حجم الطائرة الهائل من الخارج، فإن مساحتها الداخلية ليست مريحة كما قد يوحي شكلها؛ فهي أقرب إلى منصة عمليات عسكرية مزدحمة بالأجهزة والشاشات وأدوات التحكم.
وتحلق القاذفة على ارتفاعات عالية، وتستطيع البقاء في الجو لفترات طويلة، ما يجعلها مناسبة لمهام بعيدة ومعقدة.
لكنها رغم ذلك ليست طائرة شبحية، ولا تعتمد على الاختفاء من الرادارات، بل على المدى، والحمولة، والقدرة على إطلاق أسلحة دقيقة من مسافات بعيدة، إضافة إلى العمل ضمن منظومة جوية أكبر تشمل طائرات مقاتلة واستطلاع وتزوّد بالوقود.
ما الحروب التي خاضتها؟
ولم تبقَ بي-52 مجرد رمز للردع النووي في الحرب الباردة، بل أصبحت حاضرة في عدد من أبرز الحروب والعمليات العسكرية الأمريكية منذ ستينيات القرن الماضي.
كان ظهورها القتالي الأوسع في حرب فيتنام؛ حيث استخدمتها الولايات المتحدة في عمليات قصف واسعة ضد مواقع وإمدادات وقوات فيتنامية، وهناك ارتبط اسمها بما عُرف بـ”القصف البساطي”، أي إسقاط كميات كبيرة من القنابل على مناطق واسعة – في واحدة من أكثر صور الحرب الجوية كثافة وإثارة للجدل.
ثم استخدمت القاذفة بقوة في حرب الخليج عام 1991، خلال عملية “عاصفة الصحراء” ضد العراق؛ وفي تلك الحرب نفذت بي-52 ضربات بعيدة المدى بعضها انطلق من قواعد داخل الولايات المتحدة، وتزوّد بالوقود جواً، قبل أن يقصف أهدافاً في العراق ويعود أو يهبط في قواعد أخرى.
وفي أواخر التسعينيات، شاركت بي-52 في عمليات جوية فوق يوغوسلافيا سابقا/كوسوفو ضمن حملة حلف شمال الأطلسي. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ظهرت مجدداً في أفغانستان، عام 2001 حيث استخدمت في دعم القوات على الأرض وإسقاط ذخائر موجهة بدقة من ارتفاعات عالية.
كما شاركت بي-52 في حرب العراق عام 2003، ثم في عمليات لاحقة ضد تنظيم ما يعرف بـالدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وهكذا انتقلت القاذفة من دورها الأصلي كأداة ردع نووي ضد الاتحاد السوفيتي، إلى منصة تستخدمها واشنطن في حروب تقليدية، وضربات بعيدة المدى، وعمليات دعم جوي.
ما علاقتها بالردع النووي؟
ترتبط بي-52 ارتباطاً وثيقاً بفكرة الردع النووي الأمريكية؛ فمنذ بداياتها، صُممت القاذفة لتكون جزءاً من القدرة الأمريكية على توجيه ضربة بعيدة المدى إذا اندلعت مواجهة نووية كبرى مع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
والردع النووي لا يعني بالضرورة استخدام السلاح النووي، بل القدرة على إقناع الخصم بأن أي هجوم نووي سيقابله ردّ مدمّر؛ لذلك احتاجت الولايات المتحدة إلى وسائل متعددة لإيصال السلاح النووي: صواريخ باليستية عابرة للقارات، وغواصات نووية وقاذفات استراتيجية بعيدة المدى.
وتؤدي القاذفات أمثال بي-52 دوراً مختلفاً عن الصواريخ والغواصات؛ فالصاروخ الباليستي ينطلق بسرعة كبيرة ولا يمكن استدعاؤه بعد إطلاقه، أما القاذفة فيمكن تحريكها وإرسالها في مهمة، ثم إبقاؤها في الجو أو تغيير أوامرها أو استدعاؤها قبل استخدام السلاح.
هذه المرونة تجعل من بي-52 أداة عسكرية وسياسية في الوقت نفسه، لأنها تسمح بإرسال رسالة ردع واضحة دون الوصول فوراً إلى نقطة اللاعودة.
لكن أهمية بي-52 اليوم لا تتأتى من قدراتها النووية القديمة فحسب، بل من ازدواجية دورها؛ فهي طائرة يمكن استخدامها في مهام تقليدية، كما حدث في حروب عدة، وفي الوقت نفسه تبقى جزءاً من حسابات الردع الاستراتيجي.

قاعدة إدواردز: حيث تختبر واشنطن حدود طائراتها
هذه القاعدة ليست مجرد مدرج عسكري تُقلع منه الطائرات وتهبط؛ إنما هي واحدة من أهم مراكز الاختبار في تاريخ الطيران الأمريكي، ومقرّ مركز اختبار القوات الجوية – حيث تُجرى اختبارات التطوير والتقييم لأنظمة جوية وفضائية وسيبرانية قبل اعتمادها أو تحديثها.
وبحسب القوات الجوية الأمريكية، تتمثل مهمة المركز في تقديم اختبارات دقيقة ومعلومات موضوعية لصُنّاع القرار العسكري.
واكتسبت إدواردز مكانتها لأنها مرتبطة بفكرة دفع الطائرات إلى حدودها القصوى كاختبار السرعة، والارتفاع، وأنظمة التحكم، والرادارات، والتسليح والتعديلات الجديدة.
ولذلك لا يبدو وجود بي-52 هناك غريباً؛ فالقاذفة نفسها تخضع منذ سنوات لبرامج تحديث تجعلها قادرة على الاستمرار في الخدمة رغم عمرها الطويل.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الطائرة التي تحطمت كانت ضمن مهمة اختبار مرتبطة ببرنامج تحديث الرادار.
ما دور بوينغ في بقاء بي-52 حتى اليوم؟
وراء اسم بي-52 تقف شركة بوينغ؛ فهي التي صمّمت وصنّعت القاذفة لصالح سلاح الجو الأمريكي في خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت واشنطن تبحث عن طائرة استراتيجية قادرة على حمل أسلحة نووية والوصول إلى أهداف بعيدة خلال الحرب الباردة.
لكن علاقة بوينغ بالطائرة لم تتوقف عند حدّ التصنيع؛ فبعد أكثر من سبعة عقود، لا تزال بي-52 تخضع للتحديث والتطوير لتبقى في الخدمة، عبر أنظمة رادار واتصالات وتسليح أكثر حداثة.
وهكذا تحولت القاذفة من منتَج عسكري قديم إلى مشروع مُمتدّ لإطالة عمر واحدة من أهم منصات القوة الجوية الأمريكية.
Source link





Add comment