
فبينما كانت التفاهمات الدبلوماسية بين الجانبين الأميركي والإيراني تقترب من خواتيمها، نفذت إسرائيل غارة استهدفت مسؤولا في منظومة الاتصالات التابعة لحزب الله، في خطوة جاءت ردا على إطلاق مسيرات حزب الله باتجاه شمال إسرائيل.
“هذا ليس تصعيدا”: القراءة الإسرائيلية للضربة
أوضح المحاضر في أكاديمية الجليل الغربي موشيه إلعاد في حديثه لبرنامج “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية أن إسرائيل لا تعتبر هذه الضربة تصعيدا بالمعنى المتعارف عليه، مستندا إلى ما سبق أن أعلنته الحكومة الإسرائيلية، عبر رئيسها وعبر وزير الدفاع في مرات متعددة، من أنها سترد بضرب الضاحية الجنوبية في حال سقطت أي مسيّرة أو قذيفة أو صاروخ داخل الأراضي الإسرائيلية، لا في جنوب لبنان فقط.
وأشار موشيه إلى أن إسرائيل سبق أن واجهت خلافا مع الإدارة الأميركية حول هذا النوع من الردود، حين أعربت واشنطن، ممثلة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن غضب شديد من ضربة سابقة على الضاحية جاءت قبل يوم أو يومين من الوصول إلى شبه اتفاق أو مذكرة تفاهم مع إيران.
ومع ذلك، أكدت إسرائيل التزامها بهذه المعادلة حتى لو تعارضت مع الموقف الأميركي.
ولفت موشيه إلى أن الإيرانيين أطلقوا النار على إسرائيل لأول مرة عبر هذه العملية، وأن السؤال المطروح حالياً هو ما إذا كانت طهران ستبادر إلى عملية إضافية رداً على الضربة الأخيرة في الضاحية.
وفي حال ردت إيران، فإن ذلك سيفتح، بحسب تقديره، معركة جديدة تجد فيها إسرائيل نفسها في مواجهة منفردة مع إيران.
سيناريو الحرب الإسرائيلية الإيرانية المباشرة
تطرق موشيه إلى سابقة سبق أن ردت فيها إيران على ضربة إسرائيلية للضاحية بإطلاق ما بين 17 و20 صاروخا باليستيا على إسرائيل، دون أن تسجَّل أي أضرار أو إصابات.
وأشار إلى أن قيادات الحرس الثوري والنظام الإيراني أعلنت أن كل ضربة إسرائيلية للضاحية ستقابلها إيران برد مماثل، وهو ما يجعل من الضروري، بحسب تعبيره، انتظار ما ستفعله طهران.
ورأى موشيه العاد خلال حديثه أنه إذا اختارت إيران الرد بصواريخ باليستية، فإن إسرائيل، التي سبق أن أعلنت نياتها، ستذهب نحو تنفيذ هجوم شامل يستهدف طهران والبنية التحتية الإيرانية والمفاعلات البتروكيماوية، إضافة إلى أهداف أخرى.
واعتبر أن مثل هذا المسار يمثل “انتحارا للجميع”، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي سبق أن طلبت من إسرائيل عدم الرد ناريّا على الضاحية الجنوبية، إلا أن إسرائيل ردت رغم ذلك.
وختم بالقول إن المرحلة المقبلة ستكشف كيف سيتطور هذا “الانتحار” المحتمل.
نتنياهو وتفجير الاتفاق: استعادة الردع بأي ثمن؟
في قراءة أعمق للدوافع الإسرائيلية، رأى موشيه أن نتنياهو قد يكون يسعى عمدا إلى تفجير الاتفاق الأميركي الإيراني، انطلاقا من شعوره بأن إسرائيل فقدت قوة الردع التي كانت تتمتع بها تجاه لبنان وإيران.
واعتبر أن اللحظة الراهنة تمثل اختبارا لاستعادة هذه القوة، وأن المسار الحالي قد يقود إلى تفجير مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، مع احتمال أن يتهم العالم إسرائيل بإفشال هذا الاتفاق، وهو سيناريو رأى أنه قد يتكشف خلال ساعات قليلة.
معادلة الردع المتبادلة بين إسرائيل وإيران وحزب الله
من جانبه، أوضح الكاتب والباحث السياسي مروان الأمين أن المعادلة التي رسختها إسرائيل سابقا، والتي تبنتها الإدارة الأميركية أيضا بموقف صادر عن وزير الخارجية ماركو روبيو، تقوم على أن أي استهداف لشمال إسرائيل سيقابَل باستهداف الضاحية الجنوبية. وفي المقابل، أعلنت إيران معادلة موازية تنص على أن أي استهداف للضاحية سيدفعها للتدخل المباشر وضرب إسرائيل.
ورأى أن ما يجري اليوم يمثل تطبيقا للجزء الأول من هذه المعادلة: حزب الله استهدف شمال إسرائيل، فردت إسرائيل بضرب الضاحية.
وأضاف أن هذه الضربة تكشف أيضاً عن استعداد إسرائيل لاستهداف أي شخصية تعتبرها خطيرة على أمنها فور تمكنها من الوصول إليها. وأكد أن السؤال الجوهري الآن هو ما إذا كانت إيران ستلتزم بتعهدها لحزب الله بالرد على استهداف الضاحية بضرب إسرائيل.
تساؤلات حول توقيت عملية حزب الله وانقسامات داخل طهران
أشار مروان الأمين إلى أن مسيّرات حزب الله سقطت في منطقة فراغ، في حقل بشمال إسرائيل، وهو ما يطرح سؤالا عن دوافع حزب الله لتنفيذ هذه العملية في هذا التوقيت بالذات، أي قبل توقيع الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران.
وربط هذا التطور بما شهدته إيران في اليوم السابق من مظاهرات أمام منزل أو مركز كل من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، نظمها إيرانيون يمثلون، بشكل أو بآخر، جناحاً من الحرس الثوري، واتسمت بالتحريض ضد الرجلين.
وتساءل عما إذا كان هناك جناح داخل طهران يسعى للانقلاب على الاتفاق، وقام بهذه العملية العسكرية عبر جنوب لبنان كوسيلة لذلك.
وأشار إلى ورود معلومات، لم يتم التحقق منها، عن انطلاق صفارات إنذار في جنوب إسرائيل، داعياً إلى ترقب كيفية تعامل الجانب الإيراني مع هذه التطورات وانعكاساتها على مسار التفاوض.
غياب القرار المركزي في إيران وصراع الأجنحة
أكد مروان الأمين أنه لا يوجد في إيران قرار مركزي واحد أو قائد قادر على فرض قراره على كافة الأطراف، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي، وأن هناك صراع أجنحة واضحا داخل منظومة القرار الإيراني، حيث يتربص كل طرف بالآخر في “حفلة مزايدات” بهدف الحفاظ على موقعه ودوره وسلطته.
واعتبر أن الاتفاق، في حال صحة البنود التي سُربت من قبل واشنطن، سيمثل هزيمة كبيرة وشبه استسلام من الجانب الإيراني، وهو ما سيدفع أطرافاً داخل إيران إلى التصعيد بالمزايدة على الطرف الذي وافق على هذا المسار.
تباين المقاربة بين تل أبيب وواشنطن: الضربة القاضية أم تسجيل النقاط؟
في قراءته للمشهد الإسرائيلي الأميركي، رأى مروان الأمين أن نتنياهو يتعامل مع التهديدات، سواء من حزب الله أو حماس أو إيران، بمنطق “الضربة القاضية” لا بمنطق “تسجيل النقاط”.
في المقابل، تحوّل الرئيس ترامب، منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، من العمل العسكري المفتوح ومنطق الضربة القاضية إلى أسلوب تسجيل النقاط والربح التراكمي في مواجهة إيران، حيث يتمثل هدفه الأساسي في الحصول على اليورانيوم المخصب، على أن تُعالج الملفات الأخرى لاحقاً.
وأوضح أن هذا التباين لا يعني اختلافا في الهدف النهائي بين تل أبيب وواشنطن، بل في الوسيلة وسرعة الوصول إليه. فحسابات واشنطن تأخذ في الاعتبار علاقاتها مع الصين وروسيا ودول الخليج، وهو قيد لا يرتبط به الجانب الإسرائيلي، الذي يسعى للوصول السريع إلى أهدافه دون أن تكبّله هذه الاعتبارات.





Add comment