متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
#منوعات
كارمن العسيلي
اليوم
هل تخيلتم، يوماً، أن خطوة واحدة قد تعيدكم ملايين السنين إلى الوراء؛ لتضعكم وجهاً لوجه أمام عظمة كونٍ، لم تطأه قدم إنسان؟.. هل خطر ببالكم أن يتمكن الأطفال من ملامسة النجوم، وأن يستعيد الكبار دهشة الاكتشاف الأول في لحظة خاطفة؟.. في هذا الفضاء الاستثنائي، تتلاشى الفوارق العمرية، ويصبح الجميع مستكشفين، يحملون فضولاً متجدداً. فإذا كنتم تبحثون عن وجهة تجمع بين شغف الاكتشاف، وعمق المعرفة، ودفء اللحظات العائلية، فإن الرحلة إلى «متحف التاريخ الطبيعي»، في جزيرة السعديات بأبوظبي، ليست نزهة سياحية عادية، بل عبورٌ مذهل من صخب الحاضر إلى أسرار الأزمنة السحيقة.. فاستعدوا لتمنحوا عائلتكم يوماً يُحفر في ذاكرة الحكايات؛ ويمتزج فيه العلم بالترفيه في أبهى صورهما، داخل مكان لا يكتفي بعرض التاريخ، بل يهمس في كل ركن منه بسرٍّ قديم، ينتظر مَنْ يُصغي إليه.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
عمارة تنطق بلغة الطبيعة
تبدأ الحكاية قبل أن تعبروا عتبة «متحف التاريخ الطبيعي»؛ فالمبنى نفسه يبدو كأنه خرج من عمق الأرض، كامتدادٍ طبيعي لطبقات الزمن المتراكمة. فبتصميم معماريّ مبهر، لشركة «Mecanoo»، يستلهم تصميم «المتحف» هيبته من أعمدة البازلت، التي شكلتها الحمم البركانية عبر العصور. فيما تتدلى التراسات الخضراء كأنها حدائق معلقة، تستحضر سحر «حدائق بابل» بروح معاصرة. أمعنوا النظر، وسترون ذلك الشق الدرامي، الذي يشبه وادياً يخترق المبنى، ويقودكم عبر ممرات ظليلة، تنبض بهدوء البيئة المحلية. ومع كل خطوة، يتعزز لديكم الإحساس بأنكم لا تدخلون مبنى، بل تنغمسون في تجربة حيّة تتنفس معكم.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
حوار بين الزمن.. والكون
وبمجرد أن تعبروا المدخل، ستصبحون أبطالاً في قصة كونية شاسعة. ففي المسرح الغامر، يأخذكم عرض «رحّال» في تجربة بصرية مدهشة، تجسد قصة الكون منذ «الانفجار الكبير»، وحتى بزوغ الحياة على الأرض. هنا، لا تشاهدون العرض فحسب، بل تعيشونه بحواسكم كافة، كأنكم جزء من هذا الامتداد الكوني العظيم. بعدها، لن تسيروا بين قاعات عرض تقليدية، بل ستنسابون عبر سردٍ زمنيّ يمتدّ إلى 13.8 مليار عام. ومع «قصة الأرض»، ستعيشون البدايات بكل حواسكم. ولا تنسوا، وأنتم في غمرة الانبهار، أن ترفعوا أنظاركم إلى الأعلى؛ فالسماء التي تزدان بها القبة ليست مجرد أضواء عشوائية، بل محاكاة دقيقة لخريطة النجوم فوق أبوظبي، كما كانت ليلة 2 ديسمبر 1971، يوم الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. في تلك اللحظة، يتداخل اتساع الكون مع ذاكرة الوطن؛ فيمنح التجربة بُعداً إنسانياً عميقاً.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
تساؤلات مستقبلية
ومع تقدّمكم في الرحلة، تنكشف أمامكم أسرار ولادة الكواكب، وبدايات الحياة في أعماق البحار. ففي القسم الكوني، تنتظركم مفاجأة آسرة، وهناك تقتربون من قطع نيزكية، قطعت مسافات هائلة قبل أن تستقر على الأرض. من «نيزك مورشيسون»، الذي يحمل مواد تعود إلى ما قبل نشأة النظام الشمسي، إلى عينة نيزك «جبعون الحديدي»، بوزنها البالغ 140 كيلوغراماً، فهنا تتجسد أمامكم قصة الكون في أبسط أشكالها، وأكثرها إدهاشاً. والأكثر إثارة أن هذه التجربة لا تقتصر على المشاهدة؛ إذ يمكنكم لمس هذه القطع الكونية، ومن بينها حجر قمري. وفي تلك اللحظة، تتلاشى المسافات بينكم وبين الفضاء، وتتحول فكرة الكون إلى إحساس ملموس بين أيديكم.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
عودة إلى عصور ما قبل التاريخ
من قصة الأرض، تأخذكم الرحلة إلى «العالم المتطوّر»، حيث تهيمن عصور ما قبل التاريخ، بكل هيبتها. فلا تُعرض الديناصورات كأشكال جامدة، بل تُستحضر ككائنات نابضة بالحياة. فبمجرد وقوفكم تحت هيكل «ستان» («التيرانوصور ركس»، بطول 12 متراً)، ستشعرون برهبة التاريخ، ولا يفصلكم عنه زجاج، بل ستجدونه في مشهد درامي يوثّق صراعاً من الماضي.. دقّقوا النظر في عظامه، وستلاحظون آثار الجروح، والكسور القديمة، شاهدةً على حياةٍ كانت قاسية بقدر ما كانت مهيبة.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
عظمة الكائنات.. وتوازن الطبيعة
ومع استمرار الرحلة، تتبدل المشاهد، وتتنوع الإيقاعات، فكلما أوغلتم في السير داخل المتحف؛ ستكتشفون روعة الكائنات، وستصابون بذهول أمام ضخامة أحجام بعضها. ولا تنسوا أن ترفعوا رؤوسكم؛ لتجدوا أنفسكم تحت ظل «عملاق البحار» (هيكل حقيقي للحوت الأزرق، بطول 25 متراً، معلّق بانسيابية مذهلة). إن حضوره يربك إحساسكم بالحجم، ويُعيد تعريف علاقتكم بالكائنات الحية، التي تشاركنا هذا الكوكب. من هناك، تعبرون إلى «عالمنا»، حيث تتكشّف النظم البيئية بتنوعها الأخّاذ. وفي قاعة «كوكبنا المرن»، يتحول السرد إلى تساؤل عميق: كيف تكيفت الطبيعة عبر ملايين السنين؟.. وكيف يمكن للبشر أن يحافظوا على هذا التوازن في المستقبل؟.. إنها لحظة تأمل تربط الماضي بالحاضر، وتضع المسؤولية في أيدي الزوار. إن لكل متحف روائعه، ولكن هنا، أنتم أمام مشاهد تُخلد في الذاكرة، من غرفة «مختبر الحفريات»، حيث بإمكان الأطفال النزول إلى حفرة رملية، وخوض مغامرات الكشف عن الحفريات، إلى غرفة «تغير مناخ الجزيرة العربية»، لمشاهدة عوامل التغير المناخي في عرض مبهر، قبل أن تنتقلوا إلى صالة «استكشاف الفضاء».
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
تفاعل يتجاوز حدود المشاهدة
داخل المعارض، يتلاشى الحاجز التقليدي، إذ يمكنكم تتبع آثار كائنات قديمة، ومراقبة تفاصيل الحياة المجهرية. فمن أكبر الثدييات إلى أصغرها (فأر يدعى «شروق» من أستراليا)، تنتشر مجسمات لكائنات متنوعة، تكشف جميعها أسرار كوكبنا. وسيجد الأطفال مساراً خاصاً بهم، عبر مغامرة خفية، تقودهم إلى اكتشاف مخلوق «التارديغراد» (تيس البحر المجهري)، المنتشر في أرجاء المتحف؛ ما يجعل العلم لعبة ممتعة. وعندما تحتاجون إلى لحظة تأمل واستراحة، توجهوا إلى الحدائق المحيطة، التي تشكل امتداداً حياً للرسالة البيئية، ففيها تتعايش النباتات المحلية مع فن العمارة. واختموا جولتكم الأسرية في مقهى «Nayzak»؛ واجلسوا في شرفته المطلة على «أفق السعديات الثقافي»، وتأمّلوا تلك الرحلة التي عبرت بكم من غبار النجوم إلى أسئلة الاستدامة والمستقبل.. وأنتم تغادرون، ستدركون أن الزمن لم يعد مفهوماً نظرياً، بل تجربة عايشتموها بحواسكم كافة، وأن المستقبل لم يعد فكرة بعيدة، بل مسؤولية تبدأ من اللحظة التي خرجتم فيها من هذا العالم المدهش.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
نصائح تهمّكم
• خصّصوا ما لا يقل عن ثلاث ساعات لهذه الرحلة؛ فالتفاصيل في هذا المتحف لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش بتأنٍّ؛ لتستقر في الذاكرة.
• اختاروا توقيت الوصول قبيل الغروب؛ لتشاهدوا كيف يغازل الضوء واجهات المبنى، محولاً العمارة إلى منحوتة حية، تتبدل ألوانها مع أنفاس المساء، في تجربة بصرية ساحرة.
• لا تفوتوا مسيرة «التريسيراتوبس»، واستمتعوا برحلة استثنائية بين قطيع من أكثر الديناصورات شهرةً، واكتشفوا أسرار حياتها، ونجاتها، قبل ملايين السنين، في معرض مميز يستمر حتى نهاية يونيو 2026.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
• استكشفوا سحر الحياة البرية، وجمال الطبيعة وتنوعها المذهل، من خلال 100 صورة خلابة من حول العالم. ويستمر المعرض حتى 6 يوليو 2026.
• تبلغ قيمة تذكرة الدخول 70 درهماً للكبار، والدخول مجاني لمن هم دون 18 عاماً. وهناك رسم إضافي بقيمة 30 درهماً، للراغبين في حضور عرض «رحال». كما توجد خصومات لحاملي بطاقات «فزعة»، وغيرها.
• قبل المغادرة.. لا تنسوا زيارة متجر الهدايا؛ لاقتناء تذكارات فريدة، تُعيدكم إلى أجواء هذه الرحلة الكونية؛ كلما نظرتم إليها.
-

متحف التاريخ الطبيعي بأبوظبي.. بوابة بين الماضي والمستقبل
Source link














Add comment