121NEWS

لولوة المنصوري تكتب: اللغة الحُلْميّة


لولوة المنصوري تكتب: اللغة الحُلْميّة

#مقالات رأي

نرى أحلاماً كثيرة، مدعاة إلى قسط كبير من الدهشة، فهناك ما يدعو إلى العجب حيال ما يجري في «ذهننا النائم»؛ فهل نحفل بتسجيل أحلامنا؟.. الأحلام مفتتح لسرديات رمزية كثيرة، تنتمي إلى «حقل الأسطرة والغيبيات»، ولغة الأحلام مشتركة مع لغة الأساطير، ومنسجمة في أبديتها القادمة من الغيب، وكلها مكتوبة بلغة واحدة: (لغة اللامنطق والحرية).

ففي أي زمن كُتِبت الأحلام؟ يرى إيريك فروم، عالم النفس والفيلسوف الألماني، في مدخله إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير، أن لغة الأحلام هي اللغة المنسية، واللغة الأجنبية الوحيدة، التي ينبغي لكلٍّ منا أن يتعلمها، إذ إن فهمها يجعلنا نضع أيدينا على مصدر عميق، وغني بالحكمة والاستبصار، كما أن هذا الفهم يضعنا على صلة أعمق بالركائز، التي تقوم عليها شخصيتنا.

إن «حياة اليقظة»، و«حياة النوم»، هما قطبا الوجود البشري الرئيسيان، فـ«حياة اليقظة» تتصف بالنشاط الذهني، و«حياة النوم» تتصف باختبار الذات، ضمن نشاط طفولة بعيدة، هو نشاط الذاكرة الاستباقية. وحين نعيش تلك الصيغة من الوجود، الذي ينقطع – خلاله – كلُّ اتصال لنا مع العالم الخارجي؛ نصبح أكثر انتباهاً (إذا ما نام انتبه).

ولعل أقرب طريق لفهم لغة الأحلام، هو الخلوة أولاً مع الطبيعة، والانسجام داخل رحمها، ثم العودة إلى تقبّل قراءة الأساطير، الأساطير التي هي في الأصل سرديات الأحلام، وما الرموز سوى طاقة جامعة بينها، ومَنْ يقرأ الأساطير بتمعن وتفكيك ستسهل عليه، تلقائياً، قراءة الأحلام، وتفكيك إشاراتها «المُلغزة»، على أن الأساطير تمنحنا نقداً فكرياً بمزاج الروح، ولغة الروح هي الرمز، والكناية.

وعلى ذلك، فإن لغة الأحلام روحية طوّافة على معارج، وأزمنة، عديدة في حلم واحد. كما أنها اللغة الوحيدة التي لا تخضع لمنطق خاص، ولا يعتبر الزمان والمكان مقولتَيْها الأساسيتين، بل الترابط والشدة، حسب رؤية إيريك فروم.

إن الأحلام هي اللغة الجامعة لكل الحضارات، على مرّ التاريخ، غير أن الإنسان الحديث نسي هذه اللغة، نسيها أثناء يقظته، لا أثناء منامه. وبالعودة إلى استقراء زمن الملاحم والأساطير، فإن البشر الذين عاشوا في تلك الفترة، من حضارات الشرق والغرب، اعتبروا الأساطير، والأحلام، من أعمق وأغنى الأشكال التعبيرية، التي يتفتق عنها الذهن، وأن مَنْ يقصّر في إدراكها يعتبر من عداد الجهلة. ولم يتغير الموقف من الأحلام والأساطير إلا خلال قرون قليلة، إذ اعْتَبَرَتْ مجتمعاتٌ محافظةٌ الأساطيرَ، وتفسير كنايات الأحلام، بمثابة التراكيب الساذجة الخالية من المعنى خلواً تاماً، والتي اصطنعها الفكر في المرحلة ما قبل العلمية من تاريخه، مرحلة العوز إلى تفسير روحي طبيعي لمحدثات الكون المتغيرة، وأطروحات الأحلام الملحّة بإشاراتها، وأبجدياتها الملتهبة باللغز.

الأحلام «دواليل» غنية بالدلالات، ولابد من مفاتيح لترجمتها، إنها التعبير الأعمق عن حيواتنا العميقة، وكل الأحلام خاضعة للفهم شرط أن نمتلك مفتاحها، ورموز الأحلام هي «اللغة العدمية»، التي وُجدت في «السديم الأول» قبل أن تولد الأكوان، غير أننا بتنا ننشأ في ثغرة هائلة داخل عالم الأشياء المألوفة، ونقصّر عن رؤية الدلالات العديدة، التي تحفل بها هذه اللغة، وترسلها «ذواتنا الغيبية» إلى سطح «ذواتنا الملتحفة بفضاء الغفلة»، وما أشبه الأحلام التي لا نفسّرها بالرسائل التي لا نقرأها.. رغم أنها موكلة بأسمائنا!


Source link

ranzware

Add comment

إعلان

العربية مباشر

إعلان

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.