لم تعد مناجم الذهب تقتصر على الجبال والمناطق النائية، إذ كشفت تقارير حديثة أن الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية القديمة قد تحتوي على كميات من الذهب تفوق ما يوجد في بعض المناجم التقليدية بمئات المرات، ما فتح الباب أمام ما يعرف بـ “التعدين الحضري”، أحد أسرع الاتجاهات نموا في عالم إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.
الهواتف القديمة قد تحتوي على ذهب أكثر من المناجم بـ800 مرة
ووفقا لبيانات صادرة عن الأمم المتحدة، يمكن لطن واحد من الهواتف المحمولة القديمة أن يحتوي على كمية من الذهب تصل إلى 800 ضعف ما قد ينتجه طن من الخام المستخرج من بعض المناجم التقليدية.
ورغم أن الرقم يمثل الحد الأقصى وليس متوسطا ثابتا، فإنه يعكس القيمة الهائلة الكامنة داخل الأجهزة الإلكترونية المهملة في المنازل والمكاتب.
ويعتمد مفهوم التعدين الحضري على استخراج المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة والنحاس من النفايات الإلكترونية، بدلا من الاعتماد الكامل على التعدين التقليدي الذي يتطلب حفر الجبال واستهلاك كميات ضخمة من الموارد الطبيعية.

وتعد اللوحات الإلكترونية داخل الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المصدر الأهم لهذه المعادن، نظرا لاحتوائها على طبقات دقيقة من الذهب والفضة تستخدم في التوصيلات والمكونات الإلكترونية.
وتبدأ عملية استخراج المعادن بتفكيك الأجهزة وإزالة البطاريات والأجزاء البلاستيكية، ثم طحن اللوحات الإلكترونية إلى جزيئات صغيرة، قبل استخدام تقنيات ميكانيكية وكيميائية لفصل المعادن الثمينة وتنقيتها حتى تصل إلى درجات نقاء عالية يمكن إعادة استخدامها صناعيا.
أبرز الأمثلة على نجاح التعدين الحضري ظهرت خلال أولمبياد طوكيو 2020، عندما أطلقت اليابان حملة وطنية لجمع الهواتف القديمة وأجهزة الكمبيوتر غير المستخدمة بهدف تصنيع ميداليات الألعاب الأولمبية بالكامل من النفايات الإلكترونية.
وشارك في المبادرة أكثر من 90% من البلديات اليابانية، حيث تم جمع نحو 79 ألف طن من الأجهزة الإلكترونية، من بينها أكثر من 6 ملايين هاتف محمول.
وأسفرت العملية عن استخراج ما يقارب 30 كيلوجراما من الذهب و4.1 طن من الفضة و2.7 طن من البرونز، وهي كميات كانت كافية لإنتاج نحو 5000 ميدالية أولمبية وبارالمبية.
ويذكر أن الميداليات الذهبية الأولمبية ليست مصنوعة من الذهب الخالص، بل تتكون في معظمها من الفضة مع طبقة خارجية رقيقة من الذهب، ما يقلل كمية المعدن المطلوبة.

ولا يقتصر استخدام المعادن المستخرجة من النفايات الإلكترونية على الميداليات فقط، إذ بدأت شركات المجوهرات والتقنية في استغلال الذهب والفضة المعاد تدويرهما لإنتاج حلي مستدامة ومكونات إلكترونية جديدة، في خطوة تهدف إلى تقليل الأثر البيئي وتعزيز مفهوم إعادة الاستخدام.
ويرى خبراء أن التعدين الحضري قد يصبح جزءا أساسيا من مستقبل صناعة التعدين عالميا، خاصة مع ارتفاع حجم النفايات الإلكترونية الذي تجاوز 60 مليون طن سنويا، في وقت لا يعاد تدوير سوى نسبة محدودة منها.
كما يمثل هذا القطاع فرصة اقتصادية وبيئية كبيرة للدول ذات الأسواق الإلكترونية الضخمة، عبر تحويل الأجهزة المهملة إلى مصدر جديد للثروات المعدنية.
ويؤكد هذا التوجه أن “الذهب المنسي” لم يعد مدفونا فقط تحت الأرض، بل موجود أيضا داخل الأدراج والأجهزة القديمة التي يحتفظ بها الملايين دون إدراك لقيمتها الحقيقية.




Add comment