د. نرمين نحمدالله تكتب: ما رواه الشريط الأحمر!
#مقالات رأي
د. نرمين نحمدالله
اليوم
سألتني، يوماً، عن أكثر ما يخيفني؛ فتذكرت هذه الواقعة في طفولتي.. كنا نلعب «الغميضة» أنا وبعض أصحابي في الحديقة، فربطوا عينيَّ بشريط أحمر، وبدأ العد: (واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة.. خمسة)، مددت ذراعيَّ، وأنا أتحرك بحذر.. أهتدي بصوت ضحكاتهم المكتومة.. أسمع صوت أنفاسهم، يعزف لحناً مبهجاً بقلبي.. لكن كل الأصوات هدأت فجأة.. ساد السكون المخيف.. ذراعاي تمتدان أخيراً؛ كي تمسكا ما ظننته أحدهم، لكنه كان جذع شجرة وخز راحتي.. بضع دقائق عشتها في ترقبٍ وَجِلٍ، وأنا أتخبط في حركتي دون هدى.. شعرت، ساعتها، بأنني كرة تتدحرج في ظلام مخيف.. صوت أنفاسي عالية الصدى في جوفي كأن قلبي ينبض في أذنيَّ.. وعندما مددت أناملي؛ كي أنتزع الشريط؛ كانت (المفاجأة).. إنني وحدي!
عرفت، بعدها، أن صوت بائع المثلجات قد اجتذبهم؛ فَجَرُوا جميعاً نحوه بعيداً.. ونسوني تماماً!
مضت الذكرى، وبقي أثرها «شديد المرارة» في حلقي.. لم ألعب «الغميضة» بعدها أبداً.. حتى التقيتك.. وعندما سألتني عن أكثر ما يخيفني؛ وجدتني أجيب (دون تردد): «أن أنتزع الشريط الأحمر، يوماً، من على عينيَّ؛ فأجدني وحدي.. أمد ذراعيَّ في الفراغ باحثةً عمّن لم يعد له وجود»!
ووعدتني!.. وعدتني بأنك ستجعلني أحب هذه اللعبة من جديد!.. وعدتني بأننا سنقلب الأدوار!.. وبأنك ستعصب عينيك بالشريط الأحمر؛ باحثاً عني.. وأنك أنت، دوماً، ستجدني!
عصبت عينيك بالشريط الأحمر، وبدأنا العد.. الأرقام بصوتك صارت تحمل معاني أخرى، غير التي عهدتها: (واحد: أنا هنا معك.. اثنين: لن أتركك.. ثلاثة: ابتعدي ما شئتِ؛ فسأعرف أين أجدكِ.. أربعة: اركضي، ولا تخافي فأنا خلفك.. خمسة: أنا أقرب إليكِ من أنفاسك).
تمر الأيام، وأنا أسأل نفسي: كيف تنجح في أن تجدني كلَّ مرة.. مهما اختبأت!.. دوماً تجدني!.. خلف أسوار شكوكي تجدني!.. فتجذبني من خلفها؛ لنركض معاً في وادٍ واسع، من عشقٍ لا يضيق أبداً.. وراء شجرة غَيْرتي تجدني!.. فتشدني من خلفها؛ لتزرع لي بستاناً من يقيني بك!.. وراء أستار خوفي تجدني.. فتزيحها لتضمني بذراعين، يذوب على ضفتيهما كل خوف!.. تحت طاولة حزني تجدني.. فترفعني إلى عينيك، حيث لا يليق بسكناهما ألم، ولا وجع!.. أسألك: كيف تفعلها؟!.. فترد: «قلبٌ يهتدي بنورك، لن يعجز أبداً أن يجدكِ!».
بين يديَّ، دوماً، شريطٌ أحمر، يروي قصة امرأة عاشت، عمرها، تخشى أن تلعب «الغميضة»؛ كي لا تتوه ذراعاها الممدودتان في الفراغ؛ بحثاً عمن اختاروا الغياب!.. والآن، يحكي كم صارت تعشقها؛ بعدما أيقنت أن هناك، حتماً، عاشقاً سيجدها!.. عاشقاً يجيد العد، والركض!.. ولا ترهبه فنون الاختباء..!
Source link














Add comment