
أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة “كولابرا علم النفس” أن الفوائد النفسية للبكاء تعتمد بشكل كبير على أسباب البكاء. فبينما يعتقد الأشخاص عادةً أن البكاء يُخفف من وطأة المشاعر فورًا، تشير الأبحاث إلى أن ذرف الدموع لا يُحسّن مزاج الشخص بشكل عام. وتكون آثار البكاء قصيرة الأمد نسبيًا، وتختلف باختلاف ما إذا كان سبب البكاء ضيقًا شخصيًا، أو مشاهدة وسائل الإعلام، أو لحظات من السكينة.
أجرى العلماء دراسة جديدة لفهم تأثير البكاء على البالغين في بيئاتهم الطبيعية اليومية. في السابق، اعتمد العلماء في الغالب على التجارب المخبرية أو الاستبيانات التي تطلب من المشاركين استرجاع أحداث ماضية. قد تُسبب هذه الأساليب التقليدية مشاكل، إذ قد يكبح الأشخاص دموعهم في بيئة المختبر، أو يجدون صعوبة في تذكر مشاعرهم بدقة بعد أيام أو أسابيع.
يقول ستيفان شتيغر، أستاذ ورئيس قسم المنهجية النفسية في جامعة كارل لاندشتاينر، ومؤلف الدراسة: “البكاء سلوك بشري أساسي. لقد أدهشني قلة الأبحاث التي أُجريت حول البكاء في بيئات مشابهة للبيئة الطبيعية”.
أراد العلماء تتبع المشاعر لحظة بلحظة. وسعوا إلى قياس المدة الزمنية اللازمة لتغير مزاج الشخص بعد البكاء. كما هدفوا إلى معرفة ما إذا كانت عوامل مثل شدة الدموع أو سبب البكاء تؤثر على النتيجة العاطفية.
ولاستكشاف هذه التساؤلات، راقب العلماء 106 بالغين على مدى أربعة أسابيع. كان المشاركون في الغالب من النساء من النمسا وألمانيا، بمتوسط عمر يبلغ حوالي 29 عامًا. وقد قاموا بتثبيت تطبيق تتبع مخصص على هواتفهم الذكية لتسجيل تجاربهم.
كلما بكى المشاركون، طُلب منهم تسجيل ذلك فورًا في التطبيق. سجّلوا السبب المحدد للبكاء، وشدة البكاء، ومدة استمراره بالدقائق، ومستويات مشاعرهم الإيجابية والسلبية. ثمّ ذكّرهم التطبيق تلقائيًا بالإبلاغ عن حالتهم العاطفية مجددًا بعد 15 و30 و60 دقيقة.
ولضمان عدم إغفال أي دموع، طلب الباحثون أيضًا من المشاركين إكمال استبيان يومي. رصد هذا الاستبيان أي نوبات بكاء ربما نسي الشخص تسجيلها سابقًا. كما قاس حالتهم العاطفية العامة خلال اليوم، مما مكّن العلماء من تحديد مستوى أساسي لشعور كل شخص في الأيام التي لا يبكي فيها.
وجد العلماء أن البكاء العاطفي سلوك بشري شائع للغاية. فقد بكى ما يقرب من 87% من المشاركين مرة واحدة على الأقل، بمعدل خمس نوبات بكاء تقريبًا خلال فترة الأسابيع الأربعة. وبلغ إجمالي عدد نوبات البكاء التي أبلغ عنها المشاركون في استبياناتهم المسائية 315 نوبة بكاء فورية، بالإضافة إلى 300 نوبة بكاء أخرى نُسيت سابقًا.
كانت النساء أكثر ميلاً للبكاء من الرجال. فقد بلغ متوسط نوبات البكاء لدى النساء المشاركات في الدراسة ست نوبات تقريباً خلال الشهر، بينما بلغ متوسطها لدى الرجال أقل من ثلاث نوبات. كما بكت النساء لفترات أطول وبشدة أكبر من المشاركين الذكور.
وتنوعت أسباب البكاء بين الرجال والنساء. فكانت النساء أكثر عرضة للبكاء بسبب الشعور بالوحدة أو الخلافات الشخصية مع المقربين. أما الرجال، فكانوا يميلون للبكاء استجابةً لمشاعر العجز أو كرد فعل على وسائل الإعلام، مثل مشاهدة فيلم حزين.
وكان السبب الأكثر شيوعاً للبكاء لدى جميع المشاركين هو مشاهدة وسائل الإعلام. وكانت الدموع الناجمة عن الشعور بالإرهاق أو الوحدة هي الأشد والأطول مدة، حيث تراوحت مدة كل نوبة منها بين 11 و13 دقيقة.
وبالنظر إلى النتائج العاطفية، لم يجد العلماء دليلاً قاطعاً على أن البكاء يوفر راحة فورية تلقائياً، وهو ما وصفه ستيجر بأنه مفاجئ.
واعتمدت التداعيات العاطفية بشكل شبه كامل على السبب المحدد للبكاء. أدى البكاء استجابةً لمصاعب شخصية، كالشعور بالوحدة أو الإرهاق، إلى انخفاض حاد في المشاعر الإيجابية وارتفاع ملحوظ في المشاعر السلبية.
واستمرت هذه المشاعر السلبية لفترة طويلة. فبالنسبة لمن بكوا بسبب الإرهاق، ظلت مشاعرهم الإيجابية أقل بكثير من المعتاد بعد ساعة كاملة. كما أثرت هذه المحفزات الذاتية سلبًا على الحالة المزاجية العامة للشخص لبقية اليوم، على الرغم من عودة مشاعرهم إلى طبيعتها في صباح اليوم التالي.
أما الدموع التي ذُرفت لأسباب أخرى، فقد أظهرت أنماطًا مختلفة تمامًا. إذ تسبب البكاء عند مشاهدة محتوى إعلامي في انخفاض أولي في كل من المشاعر الإيجابية والسلبية. وخلال الساعة التالية، استمرت المشاعر السلبية في الانخفاض، مما يشير إلى أن البكاء أثناء مشاهدة فيلم قد يُساعد في النهاية على تهدئة الشخص.
لم تُحدث دموع الفرح، كالبكاء عند تلقي لفتة طيبة، تغييرًا فوريًا في الحالة النفسية للمشاركين. بعد حوالي 15 دقيقة، شعر المشاركون بانخفاض حاد في المشاعر السلبية. وفي المقابل، تسبب البكاء الناتج عن الشعور بالعجز في انخفاض سريع في المشاعر الإيجابية، لكن سرعان ما عاد المشاركون إلى حالتهم النفسية الطبيعية خلال 15 دقيقة.
مع أن الدراسة تُقدم رؤى معمقة حول المشاعر الإنسانية، إلا أن هناك احتمالات لسوء التفسير وبعض القيود التي يجب مراعاتها. فنظرًا لاعتماد الدراسة كليًا على التقييم الذاتي، فقد يكون المشاركون قد أخطأوا في تقييم مشاعرهم. كما أنهم ربما نسوا الإبلاغ عن بعض نوبات البكاء القصيرة أو البسيطة.
ولم يسمح تصميم الدراسة للباحثين بمقارنة البكاء بتجربة شعور قوي مماثل دون ذرف الدموع. ولهذا، يصعب تحديد ما إذا كانت التغيرات المزاجية الملحوظة ناتجة تحديدًا عن البكاء نفسه أم عن شدة الحدث العاطفي ذاته.
وقال ستيجر: “لا توجد دراسات أخرى مُخطط لها حاليًا حول هذا الموضوع”. لكننا سنستخدم أسلوب التقييم، أي القياسات المتعددة يوميًا على مدى عدد محدد من الأيام (أسلوب أخذ عينات الخبرة) باستخدام الهواتف الذكية، في دراساتنا اللاحقة، لأن هذا الأسلوب واعد جدًا لتحليل السلوك البشري في حياته اليومية (أي أنه يتمتع بمصداقية بيئية عالية).
المصدر:psypost




Add comment